صوت...
يُعيدُني صَوتُكِ المُرتَجِفُ لِلبِداياتِ،
يُعيدُني صَوتُكِ المُتَكَسِّرُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ،
حَيثُ تَشهَقُ نَفسي بِحُزنٍ شاسِعٍ كَالمَسافاتِ.
وَفي صَوتِكِ عَويلٌ مِنَ الذِّكرى،
شَيءٌ مِنَ السَّماءِ،
في صَوتِكِ تَنامُ آلافُ الحِكاياتِ.
أُمّي… دَعيني أَنامُ هُنا حَيثُ الوَجَعُ،
حَيثُ الضَّبابُ، وَحَلقي مُترَعٌ بِالكَلِماتِ.
دَعيني أُرَتِّبُ صَوتَكِ… كَما تَشاءُ أُذُني،
دَعيني أُعانِقُ حُزنَكِ وَلَو لَحَظاتٍ.
وَكَأَنَّكِ الثَّكلى الوَحيدَةَ…
وَكَأَنَّكِ الأُغنِيَةَ الوَحيدَةَ…
وَكَأَنَّكِ يا أُمّي كُلَّ الأُمَّهاتِ.
تُعانِقينَ صورَتَهُ وَتُلاثِمينَ ثِيابَهُ،
وَيَتراءى لَكِ في زاويَةِ البَيتِ:
يَضحَكُ… يَمزَحُ…
وَيَرسُمُ عَلى شَفَتَيكِ بَعضَ البَسَماتِ.
تُكَفكِفينَ دُموعَكِ كُلَّ يَومٍ،
وَكُلَّ يَومٍ دُموعُكِ حَبّاتُ لُؤلُؤٍ،
تُعيدُ نَسجَ الماضي… وَتَسكُنُ الأَنّاتِ.
أَنا يا أُمّي لَم أَمُت حَقًّا،
أَنا يا أُمّي أَموتُ كُلَّ يَومٍ آلافَ المَرّاتِ.
يُعانِقُني صَوتُكِ كَياسمينَةٍ تَعرِشُ عَلى قَلبي،
يُعانِقُني صَوتُكِ كَصَلاةٍ جَديدَةٍ لِدينٍ جَديدٍ،
لِناسٍ لا يَقتَتِلونَ عَلى بَعضِ الفُتاتِ…
أَنا يا أُمّي مَصلوبٌ عَلى أَخشابِ حُزنِكِ،
مَصلوبٌ كَأَوَّلِ نَبِيٍّ، كَأَوَّلِ كَلِمَةٍ، كَأَوَّلِ ثَورَةٍ،
مَصلوبٌ بِوَجَعي وَوَحدَتي، وَعَلى بَعضِ الذِّكرياتِ أَقتاتُ.
ضُمّيني أُمّي كِتابًا مُقَدَّسًا إِلى صَدرِكِ،
وَدَعيني أَبكي، وَكَأَنَّني دُعاءٌ أَو صَلاةٌ.
لَم يَعُد يَحمِلُني بَعضي،
وَلَم يَعُد يُطاوعُني قَلَمي،
وَهاجَرَتني أَسرابُ السُّنونو،
وَضاقَت بي يا أُمّي المَسافاتُ.

12 مشاهدة