طرامب
يبدوا أننا خطونا خطوات أكثر مما كان ينبغي علينا أن نخطو، يبدوا أن الحياة كانت لا تستحق هذه الخطوات حتى تمن علينا بكل هذا القبح وكل هذه الوقاحة دون أن نملك القبح المضاد والوقاحة المماثلة، أي شيطان يمكنه أن يقبل أن يشبهه الناس بهذا الرجل، أي مخلوق لا يقبل أن يوضع أسمه وصفاً لهذا المخلوق الوقح "ترامب".
وليس لدي كنية له غير اسمه الذي أصبح كنية لكل القبح والوقاحة، الرجل الذي دخل البيت الأبيض ثانياً ليكمل اللعبة دون احترام لأحد، الرجل الذي تميز من قبل أن ليس له وجهان ولا يهتم بتجميل صورته ولا يكترث برأي أحد ولا يبالي بشيء غير الذي يبتغيه.
ورغم نجاح الإدارة المصرية في كبح عجلة القتل الجماعي في غزة بهدنة يتم خلالها تبادل عشرات المحتجزين لدى حماس مقابل عشرات المئات من المحتجزين بسجون الكيان الصهيوني، وربما قد وصف البعض هذه الهدنة وتلك الصفقة بنجاح المقاومة إلا أن الوضع لا يدل على أي خير قد ننتظره فيما بعد هذه صفقة التبادل.
هل يمكن التكهن بما هو بعد هذه الهدنة وتلك الصفقة، هل سيجلس المتحاربين يصنعون السلام من أجل شعبيهما، أم كما نعرف عن الكيان أنه لا يبالي بالعهود ولا يحترم المواثيق وخاصة أنه الآن في حاضنة الترامب الوقحة.
كان يبدوا أنه منذ خمسة عشر شهراً وبضع أسابيع أن الكيان متواطئ في عملية الاختراق التي قام بها عناصر حماس المقاومة، وكأنه كان ينتظر ذريعة لتدمير قطاع غزة بالكامل رغم أنه دائما ما يصنع الأسباب حتى وإن كانت واهية، كان يبدوا أن هناك خطة وضعت من قبل وبدأ تنفيذها بهذا التواطؤ لكي يشهد العالم أن عناصر المقاومة ما هم إلا إرهاب يعمل من خلف قناع المقاومة الواهي، كان يبدوا أن الاختراق الفلسطيني لحدود الكيان هي أولى الخطوات في خطة لا أحد يستطيع التكهن بها مهما بلغ من مكر الشياطين.
الاحداث بدأت بضجة إعلامية عن قدرات مجدودة أهانت القوة الغاشمة المتمثلة في الكيان فأبتهج البسطاء وأشادوا ورفعوا أيديهم بالدعاء لنصرة إخوانهم لكن الكيان لم يفكر كثيراً فيمن تم احتجازهم من قبل العرب وكشر عن أنيابه سريعاً كأنه يعلم جيداً أن مواطنيه آمنين، نعم لم تفكر حكومة الكيان الصهيوني في أي حوار يضمن لهم سلامة مواطنيهم ولا عودتهم وشنة حملة شعواء مباشرة على المواطنين وأملاكهم كليةً، دمروا كل شيء عن بكرة أبيه، دمروا كل شيء وقتل كل شخص كان في أماكن التدمير، فأصبح قطاع غزة خلال خمسة عشر شهراً لا يصلح لأي نوع من الحياة، المنازل والطرق والمرافق والمساجد والكنائس وحتى المستشفيات أصبحت حطام وحسب.
هذا مرت الأشهر وغزة تدمر بها كل بوصة بلا هوادة حتى توقف المحتل عن التدمير ليوافق على هذه الهدنة وتلك الصفقة لكي يبادل مواطنيه بعشرات الاضعاف من المعتقلين الفلسطينيين وفي خضم الاحداث وفي ذات الوقت يعلن الترامب عن صفقة التهجير بكل بجاحه ووقاحة وقبح وكأنه في مضمون هذا الإعلان ما هو أقوي وأعنف من الشهور الخمسة عشر السالفة.
هل تساءل العرب عما يخفي ترامب في جوبعته، ولا أظن أنه يخفي شيئاً، بل أظنه واضح وضوحاً ليس عليه من عتامة ولا يحتاج لقدح أذهاننا لنعرف ما بعد الهدنة والصفقة.
هكذا تتسلم حكومة الكيان الصهيوني مواطنيها وتسلم حماس معتقليهم، وقد صنعت استحالة الحياة في كل القطاع، وبعدما تنتهي الصفقة تستأنف العمل على تفريغ القطاع بلا هوادة وبدعم مباشر من الراعي الأول للإرهاب "ترامب".
قد لا أتمنى صدق حدسي ولكن لا أرى في الامر أي شعاع أمل أو قيد أنملة من التفاؤل بين التصريحات المعلنة من هنا وهناك، يا سادة لقد فقد العرب ثمان عقود من التفرق والتشرذم بين مناصري الأفكار المتطرفة والشخوص المؤدلجة والاحداث المؤسفة، وهو وقت طويل في عصر سريع ملؤه الاحداث التي لا تتوافق مع الامنيات، ولا أظن أن هناك وقت كاف لتصحيح ما صنعه هذا التشرذم غير أننا نطمح في البداية.

8 مشاهدة