إحساس أم
قصة قصيرة ...
كلُّ شئٍ في فناءِ الدَّارِ يبدو متراقصاً ، حتى خيوطُ الخيزرانِ تدلَّتْ من الكرسي الخشبي و تراقصتْ على وقعِ الغروبِ ...
كلُّ شئٍ في محيطِنا بدا متلهِّفاً لاستقباله ..
رنَّ جرسُ البابِ و رنَّتْ معهُ نبضةٌ من قلبي .. خِلتُها ستفتحُ البابَ ..
جلسَ أمامَ أمِّي بكلِّ إنفتِهِ و أناقتِهِ .. بادَلَتْهُ أطرافَ الحديثِ .. لتعرفَ أكثرَ عن صهرِها المستقبلي..
فحدَّثَهَا أنَّهُ عاشَ طفولَتَهُ في ملجأِ الأيتامِ .. و لايعرفُ عن أهلِهِ شيئاً .. سوى بضعِ كلماتٍ مدوَّنةٍ في سجلِ الملجأ .. ( سامر .. مجهولُ النسبِ .. توفيَّتْ والدَتُه في حادثِ سيرٍ أمامَ الملجأ .. و كانت ترتدي حينَها لباساً يوحي بأنَّها ممرضةٌ .. و لم يتعرفْ أيُّ أحدٍ على جثتِها حينذاك .. التاريخ : ١٣ شباط من العام ١٩٨٠ ) ..
تسمّرت أمي في مكانِها و اصفرَّ وجهُهَا فجأةً .. لكنّها سرعانَ ما تمالكتْ نفسَهَا و دعتْنَا للخروجِ سريعاً برفقتِهَا .. كانَ الطَّريقُ طويلاً .. بالرَّغمِ من قِصَرَ المسافةِ .. نزلْنَا من سيارةِ أمّي .. و دخلنَا إلى بهو مشفى التَّوليدِ .. بَحَثْتْ أمي بعينيها و كلِّ حواسِهَا عن الممرِّضةِ هيفاء .. حتى وَجَدَتْهَا .. تبادَلَتَا أطرافِ الحديثِ بعيداً عنّّا .. و كلٌّ مِنَّا يمسكُ يدَ الآخرِ بقوةٍ و حنانٍ غيرِ مسبوقينْ .. و لمْ نعرفْ حتى اللحظةِ ما يدورُ بينَهُمَا و مادارَ في خَلَدِ أمِّي عندما سَمِعَتْ حديثَهُ ..
انضمَّتْ هيفاءُ إلينا بلونِها المخطوفِ .. و دَعَتْنَا إلى مكتبِها في الجناحِ الأخرِ ..
و بدونِ سابقِ إنذارٍ .. طلبتْ أمِّي من سامرَ أن يخلعَ قميصَهُ الخارجي حتى يظهرَ كتفَهُ الأيسرَ ..
في هذه اللَّحظةِ نظرْنَا معاً إلى هيفاء ..وكلٌّ منَّا قالَ في نفسِهِ .. هلْ هي أمُّ سامر .. ؟
خلعَ سامرُ قميصَهُ ..فَبَدتْ في أعلى كتفِهِ الأيسرِ ندبةٌ كبيرةٌ بلونٍ قاتمٍ .. وقعتْ هيفاءُ أرضاً .. و تحامَلَتْ أمِّي على نفسِها و جلسَتْ على كرسيِّ المكتبِ .. و صَرخَتْ : ولدي .. تحوَّلتْ أنظارُنا إليها .. و الدهشةُ تعلونَا بلْ تعلو جدرانَ المكتبِ المتصلِّبةِ .. إنَّه أخي ..
سامرُ .. شابٌّ في العشرينَ من عُمُرِهِ ..قبلَ خمسِ سنواتٍ و تحتَ مظلَّةِ انتظارِ الميكرو على بابِ الجامعةِ .. سالتْ قطراتٌ من جبينِه الاسمرِ على وجهِهِ من شدَّة الحرِّ … ركبنَا معاً في الباصِ .. بلا ترددٍ .. ناولتُهُ منديلاً كي يجفِّفَ عرقَهُ .. رغمَ أنَّها المرةُ الأولى التي أراهُ بها
كانتْ صداقتُنا طيلةَ فترةِ الدِّراسةِ الجامعيةِ صداقةً مقدَّسةً لها وضعٌ خاصٌ .. تبادَلْنَا حبَّاً غريباً نكادُ لا نصدِّقُه ..كانَّ حبًّاً روحانياً لم يتعدَّ الارواحَ إلاَّ إلى مَسْكِ الأيادي بحنانٍ غريبٍ كانَ حينَها غيرَ مفهومٍ ...
حسان يوسف
6 مشاهدة