( المسافة بين الطبيب و الإنسان )
كُتب هذا النص في ٢ مارس ٢٠١٨، وبقي كما هو تقريبًا؛ وفاءً للحظة التي وُلد منها.
( المسافة بين الطبيب و الإنسان )
إنها الساعة 3:17 دقيقة بعد منتصف الليل , أهرولُ مسرعًا باتجاه الغرفة رقم 587 لمعاينة الحاج الثمانيني للمرة الثالثة بهذه المناوبة الليلية المتعبة, الحاج (علي) في حالة احتضار و روحه تعالجُ سكرات الموت , و تتأرجحُ بين الحياة واللاحياة! و نحن كفريق طبي في حالة استنفار و تأهب .. نسابقُ ملك الموت كي نظفرَ بالمريض و نكسرَ حقيقة الموت بإرادة الحياة .
ركنتُ قلبي كإنسان على الرف و شرعتُ في توزيع المهام على الفريق الطبي المناوب .. لدي قناعة راسخة بأن الطبيب يعمل بلا قلب و يقيس ردة فعله بلا أعصاب , كي ينحاز إلى منطق طبابته و يتطرف باتجاه الممارسة المهنية بكل حياد ممكن , أنجحُ أحيانًا في الهروب من إنسانيتي كي أدفَّ عربة المرضى المتعثرة إلى طريق الحياة .. و أتعثرُ أحيانًا و أسقط في عقبة إنسانيتي!
لقد اتخذنا أدوارنا كفريق طبي لنمارس عملية الإنعاش القلبي الرئوي بكل انسجام .. لا شيء يشغل فضاء الغرفة إلا الهدوء و التركيز و صوت شاشة المراقبة لنبضات قلب المريض , أكسر هذا الصوت بالتعليمات الطبية اللازمة و أختلسُ النظر كي أراقب تدفق الدقائق من شاشة الجوال العالقة في يدي .. لقد مضى على عملية الإنعاش 18 دقيقة ! و مصير الحاج علي متورط بين إرادة السماء و شهوة الأرض!
لقد كسرَ حرمةَ المكان صوتٌ مألوفٌ حاد , إنه صوت المقرئ عبد الباسط عبد الصمد يتلو : ( الحاقة ما الحاقة ؟! ) , انتبهتُ بأن جوالاً مسجى بجانب رأس المريض انبثق منه صوت القرآن !
لقد شعرتُ بأن صوت عبد الباسط يخترقُ جسدي , كان ظهري أثقل مني ! هو يتلو الآية تلو الآية , و أنا أحدّق في الكلمات التي تطير فوق رأسي مذهولاً , لقد انفلت عقال سكينتي و طاش عقلي , لدي رغبةٌ جامحة بأن أتخفف مني و أجلس على الأرض , أن أدسَّ رأسي بين ركبتي و أبكي ! أن أخلع الطبيب الذي يلبسني و أهرب إلى الإنسان الذي بداخلي !
لقد فاضت نفسي بالأسئلة المؤجلة .. أين سوف أذهب غدًا حينما أعبر هذا السرير الأبيض ؟ و ماذا سوف أرى ؟ و كم من رصيد الحقيقة أملك في جيبي الصغير ؟ توالت الأسئلة و حاصرتني إلى حد أنني وضعتُ يدي فوق عينيَّ كي لا تفضحني و يتقاطر منها الذهول و البكاء !
التفتُ إلى ساعة الجوال التي تهرول كالمجنون على جسر الحياة و الموت.. لقد اجتزنا 28 دقيقة من بداية الإنعاش القلبي الرئوي و المريض لا ينبض قلبه , اتخذتُ القرار مع زملائي بأنها الدورة الأخيرة من الإنعاش , ما إن تمّتْ إلا و وَقْعُ خطواتِ ابن المريض تقترب من السرير , بادرني بالسؤال : هل عاد أبي ؟ أجبته بأن يتفضل على أبيه بالتلقين .
لقد مات الحاج ( علي ) .. بعدها غفلتُ عن صحوتي و توجهتُ إلى خارج الغرفة أبحثُ عن ملف المريض كي أدوَّن ملاحظاتي الطبية !
6 مشاهدة