آهٍ من الحب، يا من تبحثون عنه في زحام الأيام! ظننتموه سلسبيلًا يروي ظمأ الروح، فإذا هو سرابٌ يخادع، ومرارةٌ تتجرّع. لقد مرّ بي كثيرٌ من الزمان، ورأيتُ من الناس ما يدمي القلب، فما وجدتُ للحب وجهًا إلا وجهَ الغدرِ أحيانًا، أو وجهَ الابتلاءِ غالبًا. ولعمرُ الحق، إنّ هذا المفتون بالدنيا، والمنكبّ على لذّاتها، ليغترّ، وليضحكنّ عليه الدهرُ حين يأتي الأجل. لقد قال الرافعي، وقد سمعتُ صدى حكمته في أذن الزمان، ما يشبه ما ألقيته من عناء: "الحبّ رحلة، والأرواحُ لا تبرحُ تتلاقى وتفترق، ولكنّ القلوبَ هي التي تبقى". فليتَ القلوبَ كانت تفقه! ولعلّ بيوتَ الشعرِ، التي يتباهى بها الجاهلون، أصدقُ في وصفِ الحبّ من كلّ ما أُوتينا من عقولٍ عقيمة. قال أحدهم - وما أكثر ما قال الشعراء في هذا الباب -: "وَلَكَمْ ذَا بِمُشْتَاقٍ إِلَى لِقَائِكُ ... وَقَدْ جَاوَزَ المَشْفُوفَ حَدَّ التَّلَفِ". فهل أدركتم الآن؟
وَلَكَمْ ذَا بِمُشْتَاقٍ إِلَى لِقَائِكُ
وَقَدْ جَاوَزَ المَشْفُوفَ حَدَّ التَّلَفِ