بقايا ضوء _ قصة قصيرة
كانت رائحةُ القهوةِ في المقهى الصغيرِ تمتزجُ ببرودةِ المساءِ الخريفية، وكأنها تحاولُ تدفئةَ الوحدةِ المتربصةِ بالزوايا.
هناك، حيثُ يتلاشى ضجيجُ الشارعِ خلفَ جدار المقهى الزجاجي، جلست 'فريدة' كمن ينتظرُ موعداً مع المجهول.
لم يكن هاتفها مجردَ أداةٍ لقتلِ الوقت، بل كان نافذةً تطلُّ منها على هذا الفضاء الأزرق الذي يعج بالأسماء والوجوه والحكايا، أرواح مازالت تحلق وترسم عالمها، وأرواح غادرت قطار الحياة وتركت حقائب ذكرياتها مشرعة لعابري السبيل.
في الركن الهادئ من المقهى كانت"فريدة" على طاولتها المعتادة أشارت للنادل كى يحضر فنجان قهوة ثم أخرجت هاتفها وبدأت في تصفح الفيسبوك كعادتها فتعثرت بحساب قديم لم تكن تعرف صاحبته شخصيًا، لكنّ إحدى الصور ظهرت لها بينما كانت تبحث عن شيء آخر، الصورة لفتاة تبتسم ابتسامة دافئة، أمام نافذة مشرقة لا كلمات مرفقة، فقط تاريخ قديم يعود إلى خمس سنوات مضت .
دفعها الفضول لزيارة الصفحة، فوجدتها صامتة كصحراء، لا منشورات حديثة، فقط خواطر قديمة وصور منوعة، يتخللها شيء من الحنين، وكأنها رسائل إلى مجهول.
وفي أحد المنشورات، قرأت:
"في الغد القريب سنرحل عن هذا العالم، ولن يبقى منا سوى بعض الصور..."
توقفت، شعرت برعشة خفيفة فقد لامست الكلمات شيئًا في داخلها لم تكن تعلم بوجوده.
واصلت القراءة، منشورًا تلو الآخر، وكأنها تحاور طيفًا من الماضي.
المثير للدهشة، أن التعليقات توقفت فجأة قبل ثلاث سنوات لا أحد علّق بعد ذلك، لا إعجابات، لا ردود كأن الصفحة أصبحت مقبرة رقمية لشخص رحل دون وداع.
عادت فريدة إلى المنشور الأول، وبأصابع مرتجفة كتبت تعليقاً بسيطاً:
"مررتُ من هنا.. وشعرتُ بكِ."
ثم أغلقت هاتفها، وخرجت من المقهى لتستقبلها برودةُ الليل. في تلك اللحظة، لم يعد ثمة فرقٌ بين الفضاء الأزرق الذي تركته خلف الشاشة وبين زرقة السماء الممتدة فوق رأسها؛ كلاهما كان شاسعاً، ومزدحماً بالأسرار. كانت غيومٌ متناثرة تمرُّ ببطء، كأنها منشوراتٌ كونية لا كاتب لها، تحمل في طياتها حكايا الراحلين الذين تلاشت أصواتهم، تماماً كما فعلت صفحة تلك الفتاة.
تآلف الضياءُ الشحيح في الأفق مع وميض الذكرى، ليؤكد أن الوجود ليس إلا صفحاتٍ تظلُّ شاهدةً على العبور، بينما يتناثر الجميع في الفضائين الواقعي والافتراضي، مجرد بقايا ضوء تسبح في سكونٍ لا نهائي.
عزة عيسى
#مجمتع #أدب

10 مشاهدة