بين أوراق كتاب «الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون» للعلامة محمد ابن غازي العثماني، تتجلى لوحة تاريخية تفيض بأصالة المغرب وعظمته؛ فقد جمع فيه شهادات كبار الأدباء والمؤرخين ممن أجمعوا على أن مكناس اختصت بمزايا ندر اجتماعها في غيرها، من عذوبة الماء، وطيب الهواء، وخصوبة التربة، وأناقة الأسوار والمدارس التي احتضنت الفقه والعلماء.
ومن أنصع ما نقله ابن غازي، ما خطه لسان الدين بن الخطيب حين قال: «مكناسة مدينة أصيلة، وشعب للمحاسن وفضيلة، فضلها الله تعالى ورعاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها، فجانبها مريع، وخيرها سريع، ووضعها له في فقه الفضائل تفريع، اعتدل فيها الزمان، وانسدل الأمان، وفاقت الفواكه فواكهها ولا سيما الرمان، وحفظ أقواتها الاختزان، ولطفت فيها الأواني والكيزان، واعتدل للجسوم الوزان، ودنا من الحضرة جوارها، فكثر قصادها من الوزراء وزوارها، وبها المدارس والفقهاء، ولقصبتها الأبهة والبهاء، والمقاصير والأبهاء». ولم يكتفِ ابن الخطيب بالنثر، بل أتبعه بقوله:
حييت يا مكناسة الزيتون
قد صح عذر الناظر المفتون
طيب الهواء وصحة الماء الذي
يجري بها وسلامة المخزون
وكفاك شاهد حسنها وجمالها
إن أوثرت بالقرب من زرهون
جبل تضاحكت البروق بجوه
وجرت عذاب مياهه بعيون
فكأنما هو بربري نافذ
في لوحه والتين والزيتون
وهذا الجمال المستقر ظل حقيقة ثابتة عبر الأزمنة، وذاك ما عبر عنه الأستاذ ابن جابر الغساني بقوله:
لا تنكرن الحسن من مكناسة
فالحسن لم يبرح بها معروفا
ولئن محت أيدي الزمان رسومها
فلربما أبقت هناك حروفا
بل إن تميزها جعلها تنافس كبريات الحواضر، كما لخصه ابن عبدون بقوله:
أن تفتخر فاس بما في طيها
وبأنها في زيها حسناء
يكفيك من مكناسة أرجاؤها
الأطيبان هواؤها والماء
إن سر هذا الخصب يرجع في جانب منه إلى جوارها المبارك لجبل زرهون؛ حيث يورد ابن غازي: «يسامتها شرقاً جبل زرهون، المنبجس العيون، الظاهر البركة، المتزاحم العمران، الكثير الزياتين والأشجار، قد جلله الله سكراً ورزقاً حسناً، فهو عنصر الخير ومادة المجبى، وفي المدينة دور نبيهة، وبنى أصيلة، والله تعالى ولي من اشتملت عليه بقدرته، وفيها أقول:
بالحسن من مكناسة الزيتون
قد صح عذر الناظر المفتون
فضل الهواء وصحة الماء الذي
يجري بها وسلامة المخزون
سحت عليها كل عين ثرة
للمزن هامية الغمام هتون
فاحمر خد الورد بين أباطح
وافتر ثغر الزهر فوق غصون
ولقد كفاها شاهداً مهما ادعت
قصب السباق القرب من زرهون
جبل تضاحكت البروق بجوه
فبكت عذاب عيونه بعيون
وكأنما هو بربري وافد
في لوحه ( والتين والزيتون )
حييت من بلد خصيب أرضه
مثوى أمان أو مناخ أمون
وضعت عليك من الإلاه عناية
تكسوك ثوبي أمنة وسكون »
غير أن من يقرأ هذا البهاء في التراث ويتأمل ملامح المدينة اليوم، يدرك حجم المفارقة المؤلمة بين مجدٍ خُلّد في السطور وحاضرٍ يكابد في صمت؛ فالعاصمة الإسماعيلية تعيش على وقع إهمال يتسلل إلى بنيتها وعمرانها، وتضاؤلٍ للفرص التي تطمح إليها طاقات شبابها. إن الأزمة ليست في تبدل العصور، بل في هذا الجفاء الذي يطال مدينةً لم تتأخر يوماً عن إغناء الذاكرة الوطنية، ليبقى السؤال حائراً بين أروقتها وأسوارها العتيقة: متى يُرفع هذا الإهمال عن مكناسة الزيتون، لتعود إليها الهيبة التي تستحقها؟
ــ Meriem Moujahid ــ


1/2
9 مشاهدة