قصيدة: قل لي من تكون - د. فلاح محمد كنه
إلقاء القصيدة بصوتي:
قُلْ لي بربّكَ مَن تكونْ ؟ فأنا الأسيرةُ في الظنونْ
وأنا التي أبحرتُ في حزن المرافئ والشجونْ
كم كنتُ أهوى حيرتي وأخوضُ في صمت السكونْ
يا هذه الريح التي اقتلعتْ وجودي كي أكونْ
قُلْ لي بربّك مَن تكونْ ؟ ستظلُّ أسئلتي جنونْ
فلأيِّ أرضٍ تنتمي ؟ لمشارقٍ نزفتْ حنينْ !
أم تنتمي لمغاربٍ قد أتعبتْ حتى السنينْ
أنا دمعة الصبح النديِّ تسيلُ مِن حدق العيونْ
تنساب حائرة,تخافُ مِنَ الشكوكِ مِنَ اليقينْ
أهواكَ في صمتِ الليالي نجمةً للعاشقينْ
كم قد كتبتُ مشاعري ! كم خانني شوقي الدفينْ!
ومعي أحاسيسي تقاسمني دعاء التائبينْ
جسدي عليه تراقصتْ كلّ الذنوبِ بلا مَعينْ
وتشقّقتْ أوصالُهُ,رفضتْ تقابلهُ المنونْ
قُلْ لي بربِّكَ مَنْ تكونْ ؟ قُلْ لي بربِّكَ مَن أكونْ ؟
فلطالما أطْفأتَ لي ناري بزهدِ الناسكينْ
ولممتَ أشتاتي تُعلّمني هروب المرسلينْ
وتَجرُّني الآثامُ نحوَ التيهِ,تيهِ الآثمينْ
حتى عرفتُكَ في ظلام النفسِ غوثَ السالكينْ
طُهْرُ النفوسِ بلا ذنوبٍ شرعةٌ للخائفينْ
أنا ما تركتُ عبادةَ الأوثانِ إلاّ عن يقينْ
دمعُ الذنوبِ مع الرجاءِ منارةُ المستغفرينْ
قل لي بربّكَ مِن تكونْ ؟ قل لي بربك من أكونْ ؟
يا أيّها الحيرانُ في زمنِ التردّي والأنينْ
يا راحلا في الشكّ من تعبِ السنينِ إلى السنينْ
هلْ أنتَ مثليَ تشتكي وتئنُّ من أملٍ ضنينْ
الدربُ مضنٍ والرحيلُ حقيقةٌ للعارفينْ
وتكلّمتْ طاعاتهم لغة تبينُ ولا تبينْ
لغةٌ يَحارُ بها الورى لجمالها والعالمينْ
قل لي بربّكَ مِن تكونْ ؟ قل لي بربك من أكونْ؟
أنا أيّها الإنسانُ مثلُكَ سائحٌ بين السجونْ
في الأرض تسجنني الأماني كلّ يومٍ كلّ حينْ
والموتُ ينقذني من الآلام من ظلمٍ لعينْ
لكنني أحيا مع الإنسان في عُمُرٍ مُبينْ
أوّاهُ منكَ ومِن طموحِكَ ذلك الأملُ الظنينْ
تتجاهلُ الموتَ الذي يأتيكَ من هُدبِ الجُفونْ
مُتكبّرا في الأرضِ تمشي غير أنك لا تبينْ
أعلى الجبال تطاول الجسد المحطّم والمهينْ
أمْ أنني طاوعتُ جهلكَ من عصور الغابرينْ؟
فجعلتني للنارِ تأكلني طعامَ الآثمينْ
لو شئتَ ما نسي الترابُ بأنهُ نسبٌ مشينْ
وعرفتُ أنّكَ كالخلائقِ تنتمي للراحلينْ
نسبي سماءٌ,لستُ مِن ماءٍ وإني لستُ طينْ
فبهذه الدنيا الورى إمّا خؤونٌ أو أمينْ
بيني وبينكَ صحبةٌ أزليّةٌ,حقٌّ رصينْ
قل لي بربك من تكونُ ومن أكونُ ومن نكونْ ؟