وصية إلى ولدي
اليك ولدي:
لعلها حروفي الأخيرة ، و لعل حرفي يكون لسانك يوما، أو لعل حرفي سيكون دمعتك يوما حسرة و حصرا و حسرات، لا تلتفت إلى الوراء و لا تنسى أن تقف على ربوة لترى أكثر أمامك ، دع الجدال و صاحب الحكم تختزل تجارب السابقين ، راكم أدوات الصمت ليوم تكون فيه أشد حاجة للنطق، لم نتعلم قراءة لكن علمنا التدوين، كلما جرحنا الزمن و عوادي الدهر القاسمة للظهر و الناقضة للطهر ، كتبنا بنزيف من جرعات على مضض ، كم تحيَّنتُ رسالتي لك، و كم صبرت على ثقل حروفها لظروفها، و كم صبرت على نصوصها لفصوصها، كانت كالثمر من طمر و كانت كالزلال من منابع المزن، كن سمحا و صاحب صفحا تجد ربحا ، و لا تجاور لفحا و لا طفحا تعش رمحا يسددون بك الفرائس...و تكن من أذل النفائس...إن سألت فاسأل مولاك ، هو من يتولاك ، فنعم المولى ونعم النصير، و إن ابتليت فاجعل كتاب الله ترياقا، و النظر إليه اشتياقا، و السفر فيه انعتاقا، خروجك من مروجه مسك ، و إعراضك عنه سفك، سفك و سحت بركة و جفاء قلب ...لا تداري نفاقا و قلبك الدليل، و لا تقف في صف الباطل إشفاقا، تذنب و يصيبك التضليل، كن بصمة البشرية حميدة، و كن فاعلا لحياة سعيدة ، و لا تكن طفلا في مقتبل العمر، و لا شيخا أصيب بعاهة الفتن ، يلمز و يغمز و بين الناس هماز ، مشَّاء بنميم معتل بعد ذلك زنيم، كن صديقا للإنسانية، لم تفرقنا المذاهب ، و لم تحرك ساكننا الشيع، فكل حزب بما لذيهم فرحين، كن متنازلا بتواضع ، و كن متواضعا للتنازل، تنازلك رفعة و رقي خلق، ابدأ بالسلام و لو كان خصمك القادم، إفشاء السلام محبة و قبول، و السلام خير اسم و خير رسول، دع الفتن تكن ناجيا، و في جوف الصمت كن مناجيا ، للمغيث كن راجيا ، أي بني لم تخلق الدنيا للعبث و لا يصح للسان رطب بذكر أن يقول الرفث، كن جبارا و سيفا في الحق بثارا ، كن طبيب المحبين، و حبيب الطيبين،
رحال الإدريسي
2 مشاهدة