الفيلسوف الصغير
في الماضي أعتقدت أنني فيلسوف ومفكر عظيم، فخططت لأكتب عدة مقالات، وكنتُ أؤجل الأمر إلى زمن سوف يأتي، مكتفياً بوضع عناوين وأفكار دون الشروع في الكتابة أو حتى المحاولة، واستمر الحال هكذا لوقت طويل؛ تقريباً مدة الدراسة في كلية الأدب. أحد أصدقائي كان يثني عليّ دوماً ويصفني بـ"مشروع كاتب عملاق" لمجرد إخباره برغبتي في الكتابة في مواضيع الفلسفة والأدب والفكر.
اليوم اكتشفت أنني شخص عادي؛ بل عادي جداً، وأن صديقي شخص فكاهي ولطيف.
بعد أن هيأت المكان وأمسكت القلم الجاف، وخلوت بنفسي لأكتب شيئاً ما، وجدتني توقفت، ليس لدي ما أكتبه، لا فكر ولا فلسفة.
لا أدري ما الذي كان يعتريني في السابق، لماذا كان عليّ رؤية نفسي دوماً بتلك الطريقة؟
في الحقيقة لا أجد تفسيراً لذلك، وأكاد أجزم أن الأمر لم يكن غروراً، على عكس ذلك تماماً كنت متواضعاً حدَّ قلة الثقة بالنفس، لكنني كنت أؤمن أن لدي أفكاراً نادرة وعميقة تستحق أن تُكتب يوماً ما.
أكتب هذه السطور الآن بعد أن توقفت كثيراً وأنا أفكر بعنوان للمقالة الأولى في حياتي، المقالة التي ستشغل الناس وتملأ الدنيا.
أعني "ستملأ الدنيا وتشغل الناس".
ولأصدقكم القول فأنا لم أفتعل الخطأ في ترتيب هذه المقولة، التي تصف شاعرية أحمد بن الحسين (المتنبي).
ولكن؛ لا بأس؛ فالمقالة تحتاج لأسطر عديدة لكي تكبر قليلاً.
في هذه الأثناء تظهر أمامي عنكبوت ضخمة، تعبر الورقة البيضاء بخفة، باتجاه ضوء مصباح نيون خافت، تعمدت أن أجعله أمام الدفتر لكي لا يربكني ظل يدي وأنا أكتب، لمحت للحظة ظل أقدامها الرفيعة على الصفحة. ظلت تتحرك، لا تكاد تستقر حتى تنفر مرة أخرى، بلا وجهة، تتراجع، تتقدم، كأنها تمشي في كل الاتجاهات.
وددت سحقها بطرف القلم؛ لولا تشتتها ومخافتي أن أعود فألعق القلم عبثاً بينما أستولد الأفكار الغامضة والعميقة.
الساعة الثالثة بعد منتصف الليل،
العنكبوت الآن تستقر أمامي بجانب قشرة موز.
حسناً... لقد اختفت للتو.
لا أدري بأي اتجاه ذهبت، لكنني لا أعبأ بها كثيراً، إلا كما ترون من ناحية أنها أنقذت الموقف وأصبحت مادة للكتابة، بعد أن فقدت الفيلسوف الصغير الذي كان يقطنني في الماضي.
✍️#إيزيس كوبيا
1 مشاهدة