سنلتقي
سنلتقي
حتمًا سنلتَقي، بَعد انتهاء الحرب، بعد مَوت الجميع أو نفاذ الذخيرة أو إبادة المدينة، بعد أن ينام الملوك وتنغلق أبواب القُصور، بعد حرق الحقول وقطف الزهور، بَعد أن تَلّتهم الكِلاب أجساد القتلى والقتلة، بعد أن ترتوي الأرض من الدم ويمتلئ باطنها بالموتىَ، بعد اختفاء النجوم وانطفاء الشمس، بعد التخلّص من الأمل والغرق في اليأس.
حتمًا سنلتقي، إن ظلَّت المدينة شامخة والإرادة صامدة، إن التهمت السماء غربان النار وابتلعت متاهة الزمن جحافل العدو، إن انتشر الرعب في البلدان ومزّق الفزع قلوب الحُكّام، إن بقَيتُ أنا حيًاوبَقيَ وجهكِ جميلاً مُشرقاً مِثلما أتذكره.
لكن الحرب لَن تنتهي، لن ينام الملوك ولن يعود الهدوء، ستظلَ أنوار القصور مُضاءة والشوارع صاخبة، ستظلّ البنايات تتهاوى والأشلاء متناثرة، لن تتوقّف الأشباح عن الطواف ولن تكُفّ النساء عن الصراخ، ولن تنتهي الكلاب مِن التهام الجُثث.
الحرّب لَن تنتهي وأنا لَن أعود، سأكون طعامًا للغربان في وقتٍ ما، وبالطبع ستُصبحين أنتِ عجوزًا شمطاء بوجهٍ عَبوسٍ مُنفّر، عجوزًا أنهكها انتظار حبيبها المُحارب وأضاعت عُمرها خلف زُجاج النافذة وهيَ تقرأ رسائل عِشقٍ أتَتْ مِن أرض الدمار والخراب.
سأصبح أنا في دفاتر الضحايا.. مجرّد اسم.. رقم.. ذكرى، وستُصبحين أنتِ ضعيفة الجسد والبصر والذاكرة، ستموت أزهار الحديقة مِن الإهمال والظمأ، وفي النهاية ستموتين وحيدة على فراشكِ المُهترئ، في غُرفتك التي سكنها العنكبوت ونسجَ خيوطه في زواياها.
ولَكننا سنلتقي.. حتماَ سنلتقي، إذا لَم يَكُن في هذه الحياة الملعونة فسوف يكون في الحياة الأُخرى المجهولة، حَيثُ لا حروب ولا دمار، لا ملوك ولا جنود.. ولا كلاب تَلتهم أجسادنا!!
#احمد_سيد_عبدالغفار
13 مشاهدة