مقال 3 دقائق للقراءة
نقد علمي لإنكار محمد شحرور لفكرة الترادف
نقد عملي لإنكار محمد شحرور لفكرة الترادف
-----------------------------------------------------------------------------------
من أبرز وأشهر المقولات التي أسس عليها محمد شحرور مشروعه الفكري واللغوي في إعادة قراءة النص القرآني، قوله في كتابه التأسيسي «الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة»:
«إن الترادف في اللسان العربي مستحيل، وإذا اختلف اللفظ اختلف المعنى حتماً... والقرآن نزل بلسان عربي مبين، فلا ترادف فيه إطلاقاً؛ فـ (الكتاب) غير (القرآن)، و(الفرقان) غيرهما، و(الإنزال) غير (التنزيل)، و(الأب) غير (الوالد)».
تمثل هذه المقولة حجَر الزاوية في منظومة شحرور المعرفية؛ فمن خلال نفي الترادف التام، بنى معجمه الجديد لتفكيك مصطلحات العقيدة والشريعة وإعادة تركيبها.
أولاً: النقد الفكري والمنهجي
1. الإطلاق والتعميم القطعي (المغالطة الاختزالية): جزم شحرور باستحالة الترادف جزماً مطلقاً، وهو تعميم فلسفي ولغوي يفتقر إلى المرونة المنهجية. فرغم أن مدرسة لغوية عريقة في التراث العربي (يمثلها أبو علي الفارسي وابن فارس وأبو هلال العسكري في «الفروق اللغوية») مالت إلى إنكار الترادف التام أو تضييقه، إلا أنهم اعتبروا الاختلاف في "ظلال المعنى" و"لطائف التعبير"، ولم يجعلوا ذلك ذريعة لقطع الصلة الدلالية الجذرية بين الألفاظ كما فعل شحرور حين فصل بين "الكتاب" و"القرآن" وجعل لكل منهما مفهوماً بنيوياً مفارقاً للآخر.
2. الإسقاط المعرفي والمفارقة التاريخية (Anachronism): انطلق شحرور من خلفية هندسية ولسانية بنيوية حديثة (متأثراً بنظريات دي سوسير ونعوم تشومسكي وبأبي علي الجبائي وابن جني)، لكنه تعامل مع اللغة كنظام رياضي/هندسي صارم (Zero-Sum Game)؛ حيث كل دال له مدلول واحد لا يتداخل معه. هذا التنميط الرياضي يُفرغ اللسان العربي من طبيعته البيانية المرنة، ويُخضع النص التاريخي والوحياني لمنطق المعايير المعملية، متجاهلاً السياقات التداولية وظروف التخاطب وسليقة العرب الأوائل الذين نزل القرآن بلسانهم.
3. التناقض في التطبيق الدلالي: بينما يصر شحرور على حتمية اختلاف المعنى عند اختلاف المبنى، نجده في مواضع كثيرة يُحمّل الألفاظ معاني حداثية مستحدثة لم تكن في الحقل الدلالي للفظ عند نزوله (كإسقاط مفاهيم "الماركسية" و"الجدلية" و"حدود الحريات الليبرالية" على ألفاظ مثل الاستقامة والحنيفية والحدود). فصار نفي الترادف عنده وسيلة لخلع المعنى الأصلي وتمرير قراءة معاصرة لا تستند إلى جذر تاريخي أو سياق بياني.
ثانياً: النقد الأدبي والأسلوبي
1. نزع البلاغة وتجفيف الطاقة الجمالية للنص: الجمال الأدبي في اللسان العربي يقوم على ركائز متعددة، منها التناغم الصوتي، والإيجاز، والسياق، وفصاحة الانتقال. نفي الترادف بالمفهوم الرياضي الجاف يحوّل القرآن من "نص أدبي إعجازي" ذي حمولات شعورية وبلاغية رفيعة إلى "كتالوج اصطلاحي" أو نص تقني مغلق. فتكرار ألفاظ متقاربة في القرآن الكريم (مثل "اليم والحر"، "الخوف والخشية"، "الرجف والرجس") له أبعاد إيقاعية وتصويرية ونفسية تُهدر تماماً إذا عوملت كمعادلات كيميائية منفصلة.
2. الجفاف التعبيري في لغة الطرح: يتسم أسلوب شحرور في صياغة هذه النظرية بالنبرة التقريرية الحتمية التي تستعير صرامة العلوم التطبيقية ومصطلحات الهندسة، فغابت عنه الشاعرية البيانية ورهافة النقد التفكيكي الأدبي. تحول النثر عنده إلى لغة وظيفية دفاعية، تفتقر إلى الحس الفيلولوجي المقارن وتغلب عليها الصياغة الجدلية المباشرة.
3. إغفال التراكم الأسلوبي واستراتيجيات التكرار الأدبي: في الأدب والبلاغة، يُستخدم المترادف أو شبه المترادف لأغراض جمالية متعددة: كالتأكيد (Emphasis)، والتنويع الإيقاعي لتفادي الثقل السمعي، واستدعاء طبقات شعورية مختلفة لا تخل بالمعنى الأساسي. حرمان النص القرآني من هذه الميزة البلاغية باسم "نفي الترادف" يسطّح تنوع الأساليب الإنشائية والخبرية في النص، ويجعل الفوارق الدلالية عبئاً مصطنعاً على المعنى العام بدلاً من أن تكون إثراءً له.
لم تكن مقولة شحرور مجرد رأي لغوي عابر، بل كانت مطية منهجية استهدفت تفكيك المنظومة الفقهية التقليدية واستبدالها بنظام مفاهيمي جديد؛ ورغم جرأة الطرح وجاذبيته للعقل التقني المعاصر الباحث عن الضبط والنمذجة، إلا أنها وقعت في إشكالية إخضاع النص الأدبي البليغ للمنطق الميكانيكي الجاف، وتطويع اللغة لتلائم نتائج مسبقة بدلاً من الانطلاق من حقائق اللسان العربي وتطوره الدلالي.