همسات عاشق لبقعة جغرافية
ونمضي، والسنونُ لنا ركابٌ
ويضحكُ في ظواهرِنا الأنينُ
نُرى في الناسِ أهلَ العزمِ، لكنْ
بأعماقِ الضلوعِ لنا حنينُ
وما كلُّ البكاءِ على فراقٍ،
فبعضُ الدمعِ شوقٌ لا يهونُ
ولكنْ ليس شوقُ الأرضِ شوقي،
فثمَّ ديارُ قومٍ لا تهونُ
ديارٌ لو تنفَّسَ رملُها يوماً،
لأورقَ في جوانبِها السكونُ
ديارٌ في ثراها من خطى قومٍ،
لهم في كلِّ ناحيةٍ فنونُ
هنا مكّةُ... ومن يدري مقاماً
تذوبُ أمامَ هيبتِهِ القرونُ؟
هنا البيتُ العتيقُ، وليس بيتاً،
ولكنْ للقلوبِ بهِ سكونُ
إليهِ شدَّ إبراهيمُ قلباً،
فلبّاهُ الزمانُ وما يخونُ
وتأتيهِ الوفودُ من كلِّ فجٍّ،
وفي أعطافِها شوقٌ مصونُ
هنا مرَّ النبيُّ، فكلُّ شبرٍ
كأنَّ بهِ من الأنوارِ عينُ
هنا عاشَ الذين أحبَّ قلبي،
وصحبوا خيرَ من وطئَتْهُ دونُ
رأوا المختارَ، فاستغنتْ عيونٌ
عن الدنيا، وما فيها يهونُ
أناسٌ لم يبيعوا الحقَّ يوماً،
ولو جعلوا الرقابَ لهُ ثمونُ
إذا نادى المنادي قامَ قومٌ،
كأنَّ الموتَ عندَهمُ سكونُ
مضوا، وبقيتْ آثارٌ عظامٌ،
كأنَّ غيابَهم فيها حضورُ
فيا ليتَ الخطى تبلغْ ثراهم،
فأُهدي عندَ أقدامِهمُ حنينُ
وأقرأُ في ترابِهمُ حكايا
يَجِلُّ عن الكتابةِ ما يكونُ
وأُصغي للسكوتِ، فلعلَّ روحاً
تجيبُ، وما يجيبُ سوى السكونُ
أيا أهلَ البقيعِ، لكم فؤادٌ
إذا ذُكرَتْ ديارُكمُ يلينُ
أمرُّ بذكركم، فتضيقُ دنيايَ،
كأنَّ الكونَ من شوقي سجينُ
وما أبكي على قومٍ مضوا،
بل أبكي لأنَّ عيني لا تستبينُ
فيا رباهُ، إن قصرتْ خطانا،
فقد سبقتْ إلى الدربِ الظنونُ
وإن لم تُسعفِ الأقدامُ حجّاً،
ففي نِيّاتِنا شوقٌ دفينُ
فبلّغنا من البيتِ الشريفِ
سلاماً لا تكدّرهُ السنينُ
وبلّغنا طَيْبةَ، واجعلْ خطانا
على دربِ الحبيبِ لها حنينُ
نريدُ من الحياةِ مقامَ صدقٍ،
فما بعدَ الزيارةِ ما نريدُ
وإن رجعتْ بنا الدنيا، فقلبي
هناكَ، وإن رجعتُ أنا، رهينُ
نمرُّ على الديارِ ولا نُقيمُ،
ولكنْ بعضُها فينا يُقيمُ.