يا قلب❤️
يَا قَلْبُ، أَعْرِفُ تَعَبَكَ؛
أَعْرِفُ كَمْ أَتْعَبَتْكَ السِّنُون،
وَكَمْ أَرْهَقَتْكَ الأَيَّام،
وَكَمْ مَرَّتْ عَلَيْكَ لَيَالٍ طَوِيلَةٌ وَأَنْتَ تَحْمِلُ مَا لَا يَرَاهُ أَحَد.
فَرِفْقًا بِنَفْسِكَ.
لَسْتَ مُضْطَرًّا أَنْ تَكُونَ قَوِيًّا فِي كُلِّ حِين.
ضَعْ عَنْكَ مَا أَثْقَلَكَ،
وَاجْلِسْ قَلِيلًا فِي ظِلِّ رَحْمَةِ الله.
يَا رُوحُ، يَا مَنْ تَاهَتْ فِي زِحَامِ الدُّنْيَا،
لَا تَخَافِي؛
فَالمَوْطِنُ الَّذِي خَرَجْتِ مِنْهُ لَمْ يَنْسَكِ.
وَالسَّبِيلُ إِلَيْهِ لَمْ يُغْلَق.
رُبَّمَا لَمْ تَكُونِي ضَائِعَة،
بَلْ كُنْتِ تَبْحَثِينَ فِي كُلِّ مَا حَوْلَكِ عَمَّا كَانَ فِي أَصْلِكِ.
يَا قَلْبُ،
كَمْ ظَنَنْتَ أَنَّكَ ذَبُلْتَ،
وَفِي أَعْمَاقِكَ بَذْرَةٌ لَمْ تَمُت.
وَكَمْ ظَنَنْتَ أَنَّ النُّورَ انْطَفَأَ،
وَكَانَ يَسْكُنُ تَحْتَ رَمَادِكَ كَجَمْرَةٍ تَنْتَظِرُ نَفْحَة.
فَإِذَا مَرَّ ذِكْرُ اللهِ فِي سِرِّكَ،
فَلَا تَعْبُرْ عَلَيْهِ عَابِرًا؛
دَعْهُ يَنْزِلُ إِلَى أَعْمَاقِكَ،
إِلَى المَوْضِعِ الَّذِي لَمْ تَبْلُغْهُ يَدُ الدُّنْيَا.
هُنَاكَ، حَيْثُ لَا يَسْأَلُكَ أَحَدٌ عَمَّا فَقَدْتَ،
وَلَا عَمَّا تَعِبْتَ،
وَلَا عَمَّا عَجَزْتَ عَنْ قَوْلِهِ.
هُنَاكَ يَكْفِي أَنْ تَضَعَ قَلْبَكَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَة،
وَتَقُولَ فِي سِرِّكَ:
يَا رَبِّ، أَنَا هُنَا.
فَرُبَّ كَلِمَةٍ صَادِقَةٍ تَرُدُّ إِلَى الرُّوحِ مَا أَضَاعَتْهُ سِنُون.
وَرُبَّ دَمْعَةٍ صَامِتَةٍ تَغْسِلُ عَنْ القَلْبِ مَا عَجَزَتْ عَنْ غَسْلِهِ الأَيَّام.
لَا تَلُمْ نَفْسَكَ عَلَى مَا مَضَى.
فَأَنْتَ لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُ فِي كُلِّ يَوْمٍ إِلَّا قَدْرَ مَا أَعْطَاكَ اللهُ مِنْ قُوَّة.
وَمَا زَالَ فِي العُمْرِ مَوْضِعٌ لِنَفْحَةٍ تُحْيِي،
وَلِدَمْعَةٍ تُطَهِّر،
وَلِذِكْرٍ يُرَتِّبُ فَوْضَى الرُّوح.
يَا قَلْبُ، لَا تَقُلْ: تَأَخَّرْتُ.
فَبَعْضُ الطُّرُقِ لَا تُفْتَحُ إِلَّا بَعْدَ طُولِ التَّعَب،
وَبَعْضُ الأَبْوَابِ لَا نَعْرِفُ أَنَّهَا كَانَتْ قَرِيبَةً مِنَّا حَتَّى نَسْكُتَ عَنِ البَحْث.
هَدِّئْ خُطَاكَ.
لَا تُطَارِدْ النُّور؛
دَعْهُ يَأْتِ إِلَيْكَ.
وَإِذَا أَرْهَقَتْكَ الدُّنْيَا،
فَارْفَعْ قَلْبَكَ إِلَى السَّمَاءِ،
وَاتْرُكْ لِلرَّحْمَةِ أَنْ تَفْعَلَ مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ.
فَأَنْتَ لَسْتَ مَا أَتْعَبَتْكَ الأَيَّام،
وَلَسْتَ مَا كَسَرَتْهُ السِّنُون.
فِي أَعْمَاقِكَ شَيْءٌ أَقْدَمُ مِنْ كُلِّ حُزْن،
وَأَبْقَى مِنْ كُلِّ تَعَب.
هُنَاكَ سِرُّكَ.
فَإِذَا عَادَ القَلْبُ إِلَى الله،
عَادَتِ الرُّوحُ إِلَى مَوْطِنِهَا؛
وَكَأَنَّكَ، بَعْدَ سَفَرٍ طَوِيل،
لَمْ تَصِلْ إِلَى مَكَانٍ جَدِيد،
بَلْ عُدْتَ إِلَى نَفْسِكَ الأُولَى.
فَاطْمَئِنْ يَا قَلْبُ؛
مَا ذَبُلَ فِيكَ لَمْ يَمُت،
وَمَا انْكَسَرَ فِيكَ لَيْسَ آخِرَ الحِكَايَة.
قَدْ تَكُونُ هَذِهِ النَّفْحَةُ الَّتِي تَمُرُّ الآنَ فِي سِرِّكَ
هِيَ أَوَّلَ نُورٍ فِي طَرِيقِ العَوْدَة.

6 مشاهدة