«أما بعد»... هل كان داود عليه السلام أولَ من قالها؟
قبسٌ من التاريخ والأدب | مَن أول من قال: «أما بعد»؟
من العبارات العربية البليغة التي استقرت في الخُطَب والرسائل والمصنفات: «أما بعد»؛ كلمتان موجزتان، تؤديان وظيفةً بيانيةً جليلة، إذ تنقلان السامع والقارئ من التمهيد والثناء إلى صُلب الكلام ومقصوده.
وهنا يَرِد سؤالٌ لطيف من أسئلة كتب اللغة والأدب:
مَن أول من قال: «أما بعد»؟
الجواب الدقيق: لم يثبت في ذلك حديثٌ مرفوعٌ صحيح يحسم المسألة لشخصٍ بعينه، وإنما نقل أهل العلم وأصحاب كتب «الأوائل» أقوالًا متعددة، باختلاف المقصود من «الأولية».
فقيل: داود عليه السلام، واستُدل بقوله تعالى:
﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾
[ص: 20]
وقد نُقل عن الشعبي تفسير «فصل الخطاب» بأنه قول الرجل: «أما بعد». غير أن هذا التفسير لا يعني أن الآية محصورة في هذه العبارة؛ فقد ذهب الإمام الطبري إلى أن «فصل الخطاب» أوسع من ذلك، ويدخل فيه الفصل في القضاء والمحاورة والخطاب.
وأما الرواية المرفوعة إلى النبي ﷺ: «أول من قال: أما بعد، داود النبي عليه السلام، وهو فصل الخطاب»، فقد ذكرها أهل الحديث، وقال الحافظ ابن حجر في إسنادها: «وفي إسناده ضعف»؛ ولذلك لا يصح الجزم بثبوتها مرفوعةً إلى النبي ﷺ.
وقيل: قُسّ بن ساعدة الإيادي، خطيب العرب وحكيمها في الجاهلية، وقد أورد أبو هلال العسكري في كتابه «الأوائل» روايةً تجعله أول من قالها.
وقيل كذلك: كعب بن لؤي، وقيل يعقوب عليه السلام، وقيل يَعْرُب بن قحطان، وقيل سَحبان بن وائل، الذي اشتهر بالفصاحة والبيان.
وقد عرض الحافظ ابن حجر هذه الأقوال في «فتح الباري»، ثم قال: «والأول أشبه»؛ والمقصود بالأول هنا قول داود عليه السلام، ثم بيّن إمكان الجمع بين الأقوال باختلاف جهة الأولية؛ فقول داود باعتبار الأولية المحضة، وأما الأقوال الأخرى فتحمل على الأولية بالنسبة إلى العرب أو القبائل.
وهنا تظهر دقة منهج علماء التراث؛ فلم يكونوا يتعاملون مع كل ما نُقل على أنه حقيقة تاريخية قطعية، بل كانوا يميزون بين ثبوت الخبر، وقوة الإسناد، ودلالة النص، وجهة الأولية.
أما من جهة البلاغة، فـ«أما بعد» من أوجز صيغ الانتقال في العربية؛ فهي تفصل بين المقدمة والمقصود، وتعلن للسامع أن الكلام قد انتقل من التمهيد إلى جوهر الرسالة.
وكأن المتكلم يقول:
قد انتهى التمهيد، والآن إلى المقصود.
وهكذا بقيت هذه العبارة القصيرة حيّةً في العربية عبر القرون؛ تتناقلها الخُطَب، وتفتتح بها الرسائل، وتستعملها كتب العلماء، حتى غدت مثالًا بديعًا على قدرة العربية على اختزال المعنى الكبير في اللفظ اليسير.
💡والأدق أن يقال:
اختلف أهل العلم في أول من قال «أما بعد»، ولم يثبت في ذلك حديثٌ مرفوعٌ صحيح يحسم المسألة لشخصٍ بعينه. وقد ورد القول بداود عليه السلام، وقُسّ بن ساعدة، وكعب بن لؤي، وغيرهم؛ ورأى الحافظ ابن حجر أن قول داود أشبه باعتبار الأولية المحضة، مع إمكان حمل الأقوال الأخرى على أولية العرب أو القبائل.
وهكذا تكشف لنا هذه المسألة الصغيرة عن منهجٍ كبير عند علماء التراث: فليس كل ما اشتهر يُجزم به، ولا كل ما رُوي يُحتج به؛ وإنما يُنظر في ثبوت الخبر، ودلالة النص، وجهة القول، ثم يُحكم بقدر ما تسمح به الأدلة.
ولعل أجمل ما في «أما بعد» أن هذه العبارة القصيرة لم تحفظ لنا انتقال الكلام من المقدمة إلى المقصود فحسب، بل قادتنا هي نفسها إلى درسٍ في التثبت، ودقة النقل، وأمانة العلم.
📚 المراجع:
• ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب: «من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد».
• أبو هلال العسكري، الأوائل، في ذكر أول من قال «أما بعد».
• الطبري، جامع البيان، تفسير سورة ص، الآية 20، في معنى «فصل الخطاب».
#فائدة_أدبية #تاريخ #أدب #لغة_عربية #فوائد_لغوية #تراث #مُجتمع
4 مشاهدة