
مقال 4 دقائق للقراءة
الأشياء التي تتذكّرنا
بقلم: أحمد عزيز الدين أحمد ـــــــــــــــــ، لطالما ظننت أنني أكتب عن الأشياء، حتى اكتشفت ذات مساء أن الأشياء هي التي كانت تكتبني. أنا أحمد عزيز الدين أحمد، أعيش بين الكلمات كما يعيش المسافر بين محطات لا يعرف أيّها ستكون الأخيرة. وكلما كتبت، كنت أظن أنني أترك شيئًا من روحي على الورق، لكنني بدأت أتساءل: ماذا لو كان الأمر معكوسًا؟ ماذا لو كانت الكلمات هي التي تترك شيئًا منها فينا، ثم تمضي، ونظل نحن نحمل أثرها دون أن ندري؟ منذ ذلك الحين، صرت أنظر إلى الأشياء من حولي بطريقة مختلفة؛ إلى الكرسي القديم الذي لم يعد أحد يجلس عليه، وإلى النافذة التي شهدت وجوهًا كثيرة وهي تكبر وتغيب، وإلى الباب الذي حفظ طرقات الراحلين أكثر مما حفظ أسماءهم. وصرت أسأل نفسي: هل للأشياء ذاكرة؟ كنت أظن أن الذاكرة حكرٌ على الإنسان؛ تسكن في الرأس، وتتخفى في القلب، ثم تعود إلينا فجأة حين يوقظها صوت قديم، أو رائحة عابرة، أو مكان لم نزره منذ سنوات. لكنني اكتشفت أن للأشياء ذاكرة من نوع آخر؛ ذاكرة لا تتكلم، لكنها لا تنسى. كان الكرسي القديم في زاوية الغرفة صامتًا كعادته، ولم يجلس عليه أحد منذ زمن، ومع ذلك بدا لي كأنه ينتظر شخصًا يعرفه جيدًا. مددت يدي إليه، فشعرت بخشونته، وتذكرت يدًا كانت تستند إليه كل صباح، وصوتًا كان يملأ المكان قبل أن يصبح الصمت سيده. عندها أدركت أن بعض الأشياء لا تحفظ أجسادنا، بل تحفظ هيئتنا حين كنا سعداء، وخطواتنا حين كنا خائفين، وصمتنا حين عجزت الكلمات عن إنقاذنا. ربما الكرسي لا يزال يحتفظ بشكل الجالس عليه، والنافذة تحفظ عيون الذين كانوا يطلون منها، والباب يعرف عدد المرات التي خرجنا فيها ونحن نظن أننا سنعود سريعًا، ثم مضت السنوات ولم نعد. وربما للمنازل أرشيف لا تراه أعيننا؛ أرشيف من الضحكات والخطوات والانتظارات والوداعات التي ألقيناها على عجل ولم نعرف أنها كانت الأخيرة. نحن نعتقد أننا نغادر الأمكنة، لكن الحقيقة الأكثر غرابة أننا لا نغادرها كاملة؛ نترك فيها شيئًا منا: نبرة صوت، وموعدًا مؤجلًا، وكتابًا مفتوحًا عند صفحة، ورائحة عطر عالقة في ستارة، وخطًا صغيرًا على جدار، وكرسيًا يعرف كيف كنا نجلس حين كان العالم أقل قسوة. ولهذا ربما نشعر أحيانًا بالاختناق حين ندخل مكانًا قديمًا، ليس لأن المكان تغير، بل لأن النسخة القديمة منا ما زالت هناك. تنتظرنا في ممر لم نعد نعبره، وفي نافذة لم نعد نفتحها، وفي درج أخفينا فيه ذات يوم رسالة كنا نظن أن العالم كله سيتغير إذا قرأها أحد. يا للعجب! نحن لا نبكي الأشياء حين تفقد قيمتها، بل نبكيها حين تصبح قادرة على إرجاعنا إلى زمن لم يعد لنا حق العودة إليه. ولهذا فإن بعض الأشياء لا ينبغي أن نسأل عن ثمنها؛ فالساعة التي توقفت يوم رحيل أحدهم ليست ساعة معطلة فحسب، والقميص الذي لم نعد نرتديه ليس قطعة قماش، والصورة التي بهتت ألوانها ليست ورقة قديمة، وإنما هي مقابر صغيرة للوقت، وكل شيء فيها يقول لنا إن أحدًا كان هنا، وإن قلبًا كان هنا، وإن صوتًا كان هنا، وإننا كنا هنا يومًا. ولعل أعظم مفارقة في الإنسان أنه يقضي عمره كله وهو يظن أن الأشياء ملكه، ثم يكتشف في النهاية أنها كانت تحفظه أكثر مما كان يحفظها. نشتري البيوت، ثم تسكننا البيوت، ونقتني الكتب، ثم تحفظ الكتب أفكارنا، ونزرع الأشجار، ثم تحمل الأشجار ظلال أيامنا، ونلتقط الصور، ثم تصبح الصور أكثر قدرة منا على تذكّر الذين كناهم. حتى الطريق الذي نمشي فيه كل يوم قد يعرف خطانا أكثر مما نعرف نحن عدد المرات التي مررنا بها عليه. وربما لهذا السبب، حين نكبر، لا نبحث عن الأماكن الجديدة بقدر ما نبحث عن مكان قديم يقول لنا دون كلام: أنت لم تتغير تمامًا. ففي أعماق كل إنسان طفل لم يغادر غرفته الأولى، وشاب ما زال يقف عند نافذة قديمة، وحلم لم يعرف بعد أنه تأخر كثيرًا، ووجه يحتفظ به القلب رغم أن الذاكرة بدأت تنسى تفاصيله. إننا لا نكبر وحدنا؛ تكبر معنا الأشياء التي عاشت معنا. يكبر الباب الذي طرقناه ألف مرة، ويكبر الطريق الذي حفظ أسرارنا، وتكبر الشجرة التي كنا نجلس تحتها، وتكبر حتى القصيدة التي كتبناها في لحظة ضعف، ثم خجلنا منها، ثم عدنا إليها بعد سنوات فاكتشفنا أنها كانت أصدق ما كتبناه. لذلك، قبل أن نتخلص من شيء قديم، ربما يجدر بنا أن نسأله سؤالًا لا نعرف كيف نسمعه: ماذا بقي منك فيَّ؟ وقبل أن نهدم بيتًا عاش فيه أناس كثيرون، أو نرمي رسالة، أو نمحو صورة، أو نغلق بابًا إلى الأبد، علينا أن نتذكر أن بعض الأشياء لا تموت حين نتخلص منها؛ إنها تنتقل فقط، من الرف إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى القلب، ومن القلب إلى حكاية قد يرويها أحدنا يومًا لشخص لم يولد بعد. وحينها، ربما يكون الشيء الذي ظنناه هامشيًا قد أصبح شاهدًا على حياة كاملة. لعلنا لذلك لا نحتاج دائمًا إلى أن نخلّد أسماءنا في الحجر؛ يكفي أحيانًا أن نترك وراءنا شيئًا صغيرًا يقول إن إنسانًا مر من هنا، وأحب الحياة بما يكفي كي يترك فيها أثرًا. فالأشياء، يا صديقي، ربما لا تتذكرنا كما نتذكرها، وربما هي التي تتذكرنا حقًا، ونحن فقط نحتاج إلى لحظة صمت طويلة كي نسمعها.
قلم / احمد عزيز الدين احمد كاتب وروائي وشاعر
