
مقال دقيقتان للقراءة
#الفلسفة_الوجودية #أنطولوجيا_الجسد
"لم أكن أتخيل أبداً أن أشيخ يوماً، كان ذلك يبدو لي شيئاً يخص الآخرين فقط" - جان بول سارتر
تطرح هذه المقولة السارترية إشكالية أنطولوجية تتعلق بالصدام بين لامتناهية "الوعي" الإنساني وحتمية الفناء البيولوجي "للجسد". تُلخص هذه العبارة أزمة الذات الفاعلة حين تصطدم بحدودها المادية، وتكشف عن التناقض الظاهرياتي (الفينومينولوجي) بين إحساس الوعي الداخلي بديمومته والواقع الموضوعي المتدهور للجسد الفيزيائي.
لتتبّع الجذور الفكرية لهذه الأطروحة، يمكن تفكيك مفهوم «الجسد» في الفلسفة الوجودية. يرى سارتر أن الجسد يمثل نقطة انطلاق الإنسان نحو العالم، وهو الأداة الشفافة التي يمارس من خلالها وعيه وحريته وأفعاله. طالما كان الجسد سليماً، يظل متوارياً، يندمج مع مشاريع الإنسان وإرادته. يشعر الوعي في هذه الحالة بالسيادة، ويستبعد فكرة التدهور أو النهاية باعتبارها مفاهيم تنطبق على "الآخرين" بوصفهم موضوعات خارجية قابلة للملاحظة. الشيخوخة، في نظر الوعي الشاب والممتلئ بذاته، ظاهرة تُرى من الخارج، وتُقرأ في تجاعيد الآخرين وحركاتهم البطيئة، ولا تتخيل الذات انطباقها على كينونتها الداخلية.
تبلور هذا المأزق الوجودي في السياق المتأخر من حياة سارتر، حين تعرض لسلسلة من الانتكاسات الصحية التي جردته من أدواته الحيوية. شكلت إصابته بالعمى وفقدانه للقدرة على الإبصار عائقاً فصل بينه وبين العالم. توقفت قدرته على القراءة والكتابة، وهي الأفعال التي شكلت جوهر مشروعه الوجودي وأداته لتغيير الواقع. في هذه اللحظة، كفّ الجسد عن كونه أداة طيعة وشفافة، وتحول إلى عائق يفرض إملاءاته على الوعي.
تصف المقولة حالة "الاغتراب المزدوج" التي اختبرها سارتر. احتفظ وعيه بصفائه وطاقته، واستمر عقله في إنتاج الأفكار، وامتلك رغبة في مواصلة مشاريعه الفكرية. اصطدم هذا الوعي بجسد متهالك يرفض الاستجابة، لتنقسم الذات على نفسها بين "أنا" تفكر وترغب، و"جسد" ينهار ويفشل. عاش سارتر فترة طويلة حالة من الإنكار النفسي لهذا التحول، محاولاً تفسير عجز جسده على أنه أزمات صحية عابرة أو أمراض قابلة للشفاء، منتظراً عودة بصره ليعاود نشاطه. يكشف هذا الإنكار صعوبة استيعاب الذات لفكرة أن العطب الذي تعانيه انتقال دائم إلى فئة "الشيوخ"، وهي الفئة التي كانت تُرى من الخارج كحالة تخص الآخرين.
تتجسد هذه التجربة في فقدان الاستقلالية والانتقال من خانة "الذات الفاعلة" إلى خانة "الموضوع السلبي". عندما يعجز الجسد، يجد الفيلسوف الذي نظّر طويلاً للحرية المطلقة نفسه خاضعاً لقرارات الأطباء، ومحاصراً في دوامة الفحوصات والأدوية، ومعتمداً على محيطه لإدارة أبسط تفاصيل يومه.
تطرح هذه المقولة في جوهرها تفكيكاً لوهم الحصانة الذاتية. تسلط الضوء على الفجوة بين الطريقة التي يختبر بها الإنسان ذاته من الداخل كطاقة لا تنضب، والحتمية الزمنية التي تنحت الجسد من الخارج وتقلص مساحات حريته. وتظل هذه المواجهة بين الإرادة ومحدودية اللحم البشري إحدى مآسي الشرط الإنساني.
[سيمون دي بوفوار، مراسم الوداع: حوارات مع جان بول سارتر، د. قاسم المقداد، دار أوغاريت ودار التكوين، 2021]
#جان_بول_سارتر #الفلسفة_الوجودية #أنطولوجيا_الجسد
#مجتمع #ثورية_الكور_شاميدوريا
