
مقال 7 دقائق للقراءة
"إيكو" .. صدى سردي لتجربة شعرية تؤسس أسطورتها الخاصة
بداية غير تقليدية اختارها الشاعر محمد فرغلي ليستهل بها ديوانه الرابع "ايكو/ صدى من صرخة مكتومة" الصادر حديثا ضمن "سلسلة ديوان الشعر العامي" عن الهيئة العامة للكتاب. سرد بالفصحى تمهيدا لقصائد بالعامية ..يبدو الأمر غير مألوف لكن المتعة التي يجدها القارئ في متابعة حكاية "ايكو" في الثقافات المختلفة تجعله يتقبل بسهولة هذا التناقض الظاهري مابين السرد والشعر، وما بين الفصحى والعامية. أسس الشاعر للفكرة الرئيسية التي يدور حولها ديوانه فبدأ بالتمهيد سردا لما يقصده بالعنوان مستعرضا بأسلوب سلس وشائق ما تعنيه كلمة "ايكو" عبر روايات شتى من الأساطير اليونانية تتقصى أصل الظاهرة وكيف كانت حورية الجبل "ايكو" ضحية الصراع بين زيوس وهيرا، أو بين أفروديت ونركسيوس. تتبع الشاعر ايضا مرادفات الكلمة في اللغة العربية؛ "صدى"، "ابنة الجبل"، "بنت صفا"، "ابن الطود" ولم يفته كذلك أن يُعرف بها بشكل علمي فعرف الصدى بأنه ارتداد موجة صوتية صادرة إلى نقطة انطلاقها نتيجة اصطدامها بسطح صلب، وتخطى ذلك معتبرا انعكاس الضوء أو الموجات المغناطيسية أيضا نوعا من الصدى. عقب ذلك التمهيد الإبداعي السردي اختار فرغلي مدخلا آخر نحو عالمه الشعري عبر اقتباسين أحدهما لنجيب محفوظ "اصرخ لعل صراخك المحموم يصفع أي أذن ..عل الصدى يأتيك، عل الصمت ينطق .. أو تجن" والآخر لصلاح عبد الصبور "تاريخ الإنسان صدى خفقات القلب الملهم..لاتاريخ القفازات السود وحمامات الدم". ولم يكتفِ بهذا التمهيد السردي وإنما ضفر نصوصه الشعرية ببعض المقاطع السردية كمفاصل تربط النسيج الشعري و تعبر عن رؤيته للعالم من خلال تأمل تلك الظاهرة العلمية التي اكتسبت على مر العصور أبعادا ثقافية متنوعة ومن ثم صياغة نظرياته " الصدى هو الشيء الوحيد الذي يتكلم بجميع لغات العالم!" ولا يمكن للقارئ أن يتجاهل الملمح الصوفي النابع ليس فحسب من مفردات اللغة وحمولتها التراثية أو الدينية وانما أيضا من طبيعة العلاقات التي يتمثلها الشاعر : ( تكاد كلمة حبيبي تضئ/ عشان باسمعها من صوتك/ تناديني/ فاعود راكب صدى صوتك / كأنه حصان وله جناحين/ حروفك كلها من طير/ وفيها ملايكة متسابة) (كان الصدى في البير ونس يوسف/ اخواتي ردموا البير وحرقوا الدلو... جايز أشوف يوسف في أرواحكم/ أو روحي تصعد من ظلام البير/ زي الونس في بساطة الأشياء) ولاتكاد الرؤية الصوفية تغيب عن أي من قصائد الديوان (رجع الصدى تايه/ بيلف على مصدره/ وكإنهم ورا بعض على أشرعة طواحين/ مش سهل يتقابلوا/ وان حتى وقف الهوا/ أو ماتت الطواحين/ ر جع الصدى/ مالقاش غير طين رجع للطين) وتخالف الذات الشاعرة المسلمات العلمية وتبدل الأصداء لتمنح النفوس القلقة بعض الأمان والأمل :"أصداء مختلفة لناس صرخت من كل مكان/ اختلطوا ببعض/ واتبادلوا الأدوار في رجوعهم لمكان الصوت/ فيه واحد في مدينة بعيدة/ شفته استسلم وصرخ بالآه/ فرجع له صداه: تقدر تقدر / في واحد غلبه فساد الناس/ راح نادى: يا رب / فرجع له الصد ى: جواك جواك..." تكتسب المواقف والعلاقات التي تتفاعل في قصائد الديوان مصداقية تستمدها من أصالة التجربة الشعرية وبكارة اكتشاف وإعادة اكتشاف العالم المحيط من زاوية رؤية لها خصوصيتها (زي الحبيب بالظبط لما تسيب إيده/ فبتخرج الدهشة من قلبه زي الروح/ وبتعجز الدنيا تمسح تجاعيده/ نسمة أمل مرت على قلبي من حبه/ ببسا طة المطرة ع الأرض..بتخضَّره/ الميزة إن الأمل - وحده- صدى ومصدره)، وتتصاعد التساؤلات لتشرك القارئ حالة الحيرة والـتأمل (يا هل ترى الساكتين/ وحاجات ما كملتشي/ بيروح صداهم فين؟/ ليه الصدى بينطق لكن ما بيغنيش) مابين اليأس والأمل تمضي حركة الصدى وتحاول الذات الشاعرة تغيير المصائر الحزينة عبر تغيير مسار الصدى وقوانينه فتنجح أحيانا ولاتستلم للفشل في حالات أخرى فتبحث عن حل آخر يسوقه الشاعر تحت عنوان "نحتاج احيانا لمنع الصدى"؛ هنا تتوغل الذات الشاعرة كاشفة حالة من الشجن العميق : (وكإنه قطر وفات على كل البلاد إلا الوطن/ وكإنه ابوك في العيد وملفوف بالكفن/ من بعدها/ روحك كما العيش اللي با ت/ صابه العفن/ زي اللي ماشي في المطر/ مبلولة روحه بالبكا/ أيامه ك برادة حديد متبعترة../ المغناطيس كان الحنين أوهيئة الشخص اللي غاب/ والوقفة صارت بعدها عيد اليتيم/ ف ازاي أصد الجرح دا/ وأنا لسا بانزف/ بس من جرحي القديم...) يتتبع الشاعر "طفولة الصدى" ويسقطها على طفولته : (عيل بيتهته زي الصدى/ بتقول: ماما/ فيقول لك: ما/ بتقول: با با/ فيقول لك: با / مين فينا ما كانش الصدى في صباه؟... دلوقت باقول للدنيا: سلام/ ما تردش زي ما كنت زمان/ وإن ردت تلدغ حرف السين/ أو تحذفه هو وحرف الميم/ احنا اتعلمنا اللغة ناقصة !/ ولا الأيام خمامة ف عد سنين عمري ،وسابتني على السلم با نهج؟ ) ثم يكمل رحلته لاكتشاف الصدى في كل مفردات الكون فيقول عن "صدى النور"
:( النور صدى/ والعين مداه/ من غير ما نعرف مصدره/ بنشوف نداه... النور خرج من قلب حوا لما آدم حبَّها/ من يوم ما آ د م ر دها لضلعه ابتدا/ هذا الشعاع/ لا يحتويه طول المدى/ ولا عين بسيطة مجردة/ أو إتجاه/ هذا الصدى اسمه "الحياة" . ) وتكتشف الذات الشاعرة رغم كل معجزات "الصدى" وتجلياته المبهرة أن ثمة " مدى مش مناسب للصدى": "ساد الهدوء في العقل/ والحنجرة/ حتى حبال صوتي/ رجعت لوضع الأجنة/ أو وضع نفخ الروح في بداية التكريم/ أو وضع شجر الجنة/ قبل البلاء الجاي بالقطف والتحريم/ عايز أصفي صداي/ من الأنين/ والناس/ والهدم/ والترميم/ وابعت رسول للمخ/ (غاري اللي جوا الجسد)/ يقرا عليه اسكت!" ثم تتجه الذات الشاعرة لتفكيك "شفرة الصدى" ومن ثم تتبع تجلياته المختلفة في صدى الحبر:" والوقت زي الحبر مش بالعكس/ والحبر حامي يقطع السياف/ يقطع حوادث تتكتب في سطور/ من بعد قطع الروح/ بحبر وسيف/ مين يلحم العمر اللي صار مبتور؟" أو من خلال "صدى فعل باكتب": (قلمي كإنه عصاية موسى/ شايل سم ف بقه وعايش/وانا زيه/جايز/ مش عارف/ خايف إني بعكس إرادتي/ فجأة اتحول/ وافضل ابخ السم ف ورقي/ أو أفضل مستني صوابع تمسك طرفي/ تهش الحبر على الأفكار/ قلمي يوماتي بيطفي حرايق/ وصلت آخر حتة ف روحي/ وبنفس الحبر اللي ف جوفي/ لم ضلوعي كخشب الشجرة وولع نار" ويصل التوحد والتماهي مع ظاهرة الصدى حين تعلن الذات الشاعرة عن وحدتها وغربتها تماما كما كانت "ايكو" حورية الجبل تستشرف النهاية فيقول الشاعر تحت عنوان "خلاويص لوحدي مع الصدى": "وشي في و شه/ زي و شي ف حيط/ والحيط مسح دمعي وسابني ارسم/ كل اما اقول خلاويص/ يرجع يقول خلاويص/ لسَّا الصحاب بيرددوا: لسَّا !/ باكبر ولسَّا و شي في الحيطة !/ والعد نشف ريقي ع الفاضي/ وكإني كنت باعد بالسالب/ وصحابي راحوا اتخبوا في النسيان/ وانا اللي وشي ف وش برد الحيط/ باصص لعمري بصة القنا ص/ طلع الصدى هو اللي قال: لسَّا/ وهييجي يوم يرجع يقول لي: خلاص" تحت عنوان "الصدى كما لم تسمعه من قبل": يتتبع الشاعر مسار الصدى في الكون الواسع وأثره على كل مفرداته (بيعدي ع البلدان عشَّة و را عشَّة/ ويعدي ع اللي اتشال من ميته القشة/ يسقي الطيور زقزقة و يملا م الكروان/ يسقي الغريق باللقا وبتأويلات الخضر/ يحكي له عن أصحاب غرقوا في بير الصَّدر/ لما ا تملا كتمان/ وان اللي غرقوا في بحر / اتحولوا لدرافيل) (كل الأمم ورثته بالحكي أو بالغنا من أول التشكيل/ قالوا بدأ-يمكن-مع تسبيحات في الحوت/ أو واد مليح في البير لما اترمى دندن/ قالوا دليل عيل في تيارات اليم/ ولحد باب فرعون/ وانه اللي حذر اللي عاش بلا أب/ إن الخيانة في البشر مش ر ب) ويختتم الشاعر ديوانه بإجراء مفاجيء حين ينفي الظاهرة التي تمثل جوهر تجربته التي سعى على مدار الديوان لفهمهما وتفسيرها واكتشاف أثرها على كل الموجودات فيقول في القصيدة الأخيرة "لاصدى": (مش صدايا/ برضو مش تسبيح ورايا/ الجبل والطير في حالهم / زهدوا ترديد الحكاية/ أو كإني وازنت نبضي في التردد والسكون/ مش هاعصلج لو أتى سكوتي النهائي/ هامشي منزوع الخطاوي/ زي حرف الكاف لنون .) وبتأمل الديوان بشقيه السردي والشعري يمكن ببساطة أن نلحظ سيطرة الصورة الدرامية والجنوح إلى صياغة مشهد كلي ومشاهد جزئية متفرعة منه، فقد قدم لنا الشاعر محمد فرغلي عبر ديوانه "إيكو"تجربة شعرية شديدة التميز لا ينقصها العمق ولا النضج فهو يمتلك رؤى فلسفية تتعمق الظواهر المختلفة وتعبر عن جوهر العلاقات الإنسانية لكنه في حاجة للتخلص من بعض القيود الشكلية التي من بينها التقيد بالقافية الذي قد يعطل حالة التدفق والانسياب والتلقائية. رشا حسني
