حتّى
أَمُدُّ نَحْوَكِ رُوحًا شَفَّهَا ظَمَأٌ
تَكَادُ تَشْرَبُ عُمْرِي فِي النَّوَى حَتَّى
أَقُولُ: أَقْرُبُ، وَالأَبْعَادُ قَاتِلَةٌ
وَكُلَّمَا طَفَحَتْ رُوحِي، بَكَتْ صَمْتَا
يَمُرُّ بِي عُمْرِيَ المَسْفُوحُ مُنْكَسِرًا
وَلَا أَرَى فِيهِ إِلَّا أَنْتِ... لَا وَقْتَا
أَنَا هُنَا، وَدَمِي مَنْثُورُ أَخْيِلَةٍ
تَسِيرُ خَلْفَكِ فِي أَرْجَائِهَا شَتَّى
أُصْغِي إِلَى الرِّيحِ؛ عَلَّ الرِّيحَ تَحْمِلُ لِي
نَسِيمَ عِطْرِكِ فِي جُنْحِ الدُّجَى صَوْتَا
كَأَنَّ بُعْدَكِ جَمْرٌ لَا انْطِفَاءَ لَهُ
يَصُبُّ فِي كُلِّ عِرْقٍ رَجْفَةً مَوْتَا
يَغْتَالُنِي طَيْفُكِ المَمْشُوقُ فِي ظُلَمِي
كَأَنَّهُ الفَجْرُ يَجْتَاحُ المَدَى بَغْتَا
أَكَادُ أَصْرُخُ بِاسْمٍ لَا أَبُوحُ بِهِ
لَكِنَّ كِبْرَ هَوَايَ اسْتَعْذَبَ الكَبْتَا
أَرَى المَدِينَةَ سِجْنًا ضَاقَ مَحْبَسُهُ
وَمَا اتَّخَذْتُ سِوَى نَجْوَاكِ لِي بَيْتَا
وَقَفْتُ فِي مَعْبَدِ الأَشْوَاقِ مَشْعَلَةً
يَصُبُّ فِيهَا احْتِرَاقِي لِلْهَوَى زَيْتَا
أَشُقُّ جَدْبَ اللَّيَالِي وَانْتِظَارَ غَدٍ
لَعَلَّ ذِكْرَاكِ تُعْطِي قَفْرَتِي نَبْتَا
تَمُرُّ صُورَتُكِ العَذْبَاءُ فِي خَلَدِي
فَيُطْرِقُ القَلْبُ إِجْلَالًا لَهَا سَكْتَا
لَوْ قَطَّعُوا بَيْنَنَا الدُّنْيَا بِمُدْيَتِهِمْ
مَا قَطَّعُوا حَبْلَ وَصْلٍ شَدَّنَا بَتَّا
أَخَافُ يَرْحَلُ عُمْرِي قَبْلَ رُؤْيَتِنَا
وَيَخْطَفُ الدَّهْرُ مَا أَمَّلْتُهُ فَوْتَا
أَرْنُو إِلَى كُلِّ ضَوْءٍ غَابِرٍ شَفَقًا
لَعَلَّ فِيهِ إِلَى إِشْرَاقِهَا لَفْتَا
أُفَتِّشُ الشِّعْرَ عَنْ لَفْظٍ يُصَوِّرُهَا
فَيَعْجَزُ الحَرْفُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ النَّعْتَا
سَأَلْتُ قَلْبِي: أَمَا تَرْثِي لِمُحْتَرِقٍ؟
فَقَالَ: ذُبْ فِيهِ... شَرْعُ الوَجْدِ قَدْ أَفْتَى!
فَأَقْبِلِي كَسَحَابِ الغَيْثِ، وَانْهَمِرِي
عَلَى ضُلُوعِي، وَقُولِي لِلْهَوَى: هَيْتَا!
أَبِيتُ أَنْسِجُ أَحْلَامَ الرُّؤَى شَغَفًا
يَحُتُّ روحي مِن أعماقها حَتًّا