بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى:
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾.
وقال سبحانه:
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقال جل وعلا:
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.
أما بعد:
فمن الأمور التي نحتاج إلى التنبه لها في زماننا: كثرة الكلام في شؤون المسلمين، والدول، والجهاد، والعلماء، مع قلة العلم والتثبت.
فبعض الناس، ومنهم بعض النساء، يقولون: «ماذا فعلت السعودية للمسلمين؟ ولماذا لم تجاهد؟ وأين نصرتها لإخواننا في غزة واليمن وسائر بلاد المسلمين؟».
وأقول: قبل أن نسأل غيرنا: ماذا فعلتم أنتم؟
هل بذلتم من أموالكم؟
هل أعنتم محتاجًا؟
هل نشرتم علمًا نافعًا؟
هل دعوتم إلى الله؟
هل أصلحتم أنفسكم وأهليكم؟
أم أصبح جهادنا كله منشورات وتعليقات خلف شاشات الهواتف؟
وليس المقصود بهذا احتقار أحد؛ فالناس تختلف أحوالهم، والمرأة قد تعمل، والرجل قد يبقى في بيته لظروف مختلفة، وليس هذا وحده معيارًا للحكم على صلاح الإنسان أو فساده. وإنما المقصود أن الإنسان لا ينبغي أن يكثر من مطالبة غيره بما لا يطالب به نفسه.
ثم إن قضايا الدول والسياسة والجهاد ليست مجالًا للأحكام العاطفية، بل تحتاج إلى علم وتثبت وعدل. فلا يصح أن نقول عن بلد: «لا يحكم بشرع الله»، أو «لم يفعل شيئًا للمسلمين»، إلا بعلم وتفصيل وتوثيق.
وكذلك لا يجوز أن نجعل اختلافنا مع دولة أو جماعة أو عالم سببًا للطعن في أهل العلم.
فمن المؤسف أن ترى بعض الناس يتكلمون في العلماء، ويسخرون منهم، ويطعنون فيهم، ومن ذلك الطعن في الشيخ صالح الفوزان حفظه الله.
والواجب أن نعرف قدر العلماء، مع اعتقادنا أنهم غير معصومين، فقد يخطئ العالم ويصيب، والحق يُعرف بالدليل.
قال الله تعالى في التحذير من أذية المؤمنين والمؤمنات:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].
وقال سبحانه في التحذير من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله ﷺ:
﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65-66].
وهذه الآية فيمن استهزأ بالله وآياته ورسوله ﷺ، فلا يجوز تنزيل حكمها على كل من أخطأ في كلامه عن عالم أو طالب علم بلا تفصيل.
ومن أعظم ما جاء في فضل أولياء الله:
قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه عز وجل:
«مَن عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب...»
رواه البخاري.
وقد ذكر أهل العلم أن من أولياء الله أهل الإيمان والتقوى، ومنهم العلماء العاملون.
وقال النبي ﷺ:
«ليس من أمتي من لم يُجِلَّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه».
رواه أحمد والحاكم، وحسنه وصححه جماعة من أهل العلم.
وقد كان السلف يحذرون من الوقيعة في أهل العلم.
قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله:
«اعلم يا أخي أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب».
وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله:
«من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته».
فيا من تتكلم في العلماء: اتق الله في لسانك.
ويا من تخالف عالمًا: خالفه بالدليل والأدب، لا بالسخرية والطعن والتشهير.
ويا من تسأل: «ماذا فعلت هذه الدولة للمسلمين؟» اسأل نفسك أولًا: ماذا قدمتَ أنت مما تستطيع؟
فليس نصرة المسلمين كلمات غاضبة على الإنترنت، وليست نصرة الدين بالطعن في العلماء، وإنما تكون بالعلم والعمل والدعوة والصدقة والإعانة والدعاء، وكلٌّ بحسب استطاعته.
قال الله تعالى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن ينصر المظلومين، وأن يحفظ دماء المسلمين، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يحفظ علماء المسلمين ويجزيهم عن الأمة خير الجزاء.
والله أعلم.
📚كتبه: ابو عمر- غفر الله له
