فوضى
أنظر من حولي، الفوضى في كل مكان.
كتابٌ كنتُ عازماً على إنهائه، ما يزال يئنّ وحيداً فوق الطاولة المبعثرة بالأوراق وأقلام الحبر، الأوراق المملوءة نصفها تحتج أيضاً، تشكو للكتاب المكتملة صفحاته بالحبر سوء نصفها الأبيض، ربما تحاول أيضاً إيجاد هويةً لنفسها، وتحارُ في الخاتمة التي ستصبغ بها. الأوراق تنتظر.
في زاوية أخرى، قميصٌ ارتديته آخر مرةٍ قبل سنتين، حينها كنتُ أنا، يسألني القميص بياقته الصفراء، وإن لم تعد أنت، فما ذنبي أنا؟
أحسست به يصرخ بي: اغسلني على الأقل أو ارمِ بي في سلة الزبالة. القميص ينتظر.
فوق السجاد، على الأرائك، فوق الخزانة، في كل ركنٍ في غرفتي، هناك شيء ينتظر.
أخرج إلى الشارع، الأوراق مصفرّة، الرياح تقشط الأرصفة بتيارها الشديد؛ الأوراق الصفراء تتطاير، والغبار يتصاعد، بعد قليل، تتهاطل الأمطار على الرصيف الذي صار أنظف الآن، وعلى الأشجار التي زاد عريّها أكثر.
توقفتُ للحظة أتأمل هذا التناغم في الطبيعة، كيف أدركت الشمس أن المكان لم يعد مكانها فاختبأت خلف الغيوم؟
وكيف تطايرت الأوراق المريضة وانفكّت عن أمها الشجرة حين شعرت أن ما من جدوى من بقائها؟
والأمطار، كيف عرفت أن المكان الآن؛ الآن بالذات، صار مكانها؟ فانهمرت تغسل الغبار عن النوافذ والأرصفة، وتواسي الشجرة بمن فقدت مع وعدٍ بولادة جديدة.
أعود إلى غرفتي، أشعل النور الأصفر اليتيم وسط الغرفة، أنظر إلى الرواية التي اكتملت في ذاتها وتنتظر أن أكملها في ذهني، إلى الأوراق النصف مكتملة والتي تنتظر أن يكون لها هوية فتعرف نفسها ما تكون، أحزنٌ ما خُطّ عليها أم فرح؟ أملٌ أم بؤس؟
جولتُ نظري على قميصي الذي ينتظر، حينها قلتُ: فوضى الغرفة تنتهي عندما ينتهي داخل رأسي.
أمسكت القلم، فتحت صفحة جديدة، وكتبت ما قلتهُ، وعندما أعدتُ النظر ثانية إلى الورقة، وجدتها تختال أمام باقي الأوراق النصف مكتملة. #أدب
1 مشاركة27 مشاهدة