حذاء وقدم
حذاءٌ وقدم
مرثيةُ كلِّ العلاقاتِ المتعبة
للشاعر: صالح إدريس
يا ممسكاً بجوفِهِ قدمايْ
أتعبتَ أرجلي...
لا أنا أرحتُكَ
ولا أنتَ أرحتَني
من على رفٍّ أشارَ لناظري
مخادعاً لي، للِنقودِ لمحفظتي
قال بلسانِ البائعِ الحذقِ: "اشترِ"
فأجبتُهُ وما يمنعُ ناظري أن يشتري
أنا الذي اشتريتُ نعشي
وظننتُ أني اشتريتُ راحتي
أنا الذي لبستُ قبري
وظننتُ أني ألبسُ زينتي
خرجنا من دكانِ الوهمِ كعاشقينْ
أنا الجريحُ وهو الجلادُ
أنا الحنينُ وهو الرمادُ
أنا الذي فتحتُ قلبَهُ للضوءْ
وهو الذي أغلقتُ عليهِ بابَ السماءْ
في أولِ الخطوِ تمايلنا كأغنيةْ
كأننا في رقصةٍ لا تنتهي
كأننا في حكايةٍ لم تُكتبِ
لا ندري أنَّ العشقَ يقتلنا ببطءْ
لكنَّ الطريقَ طويلْ
والجسدَ ثقيلْ
والرغبةَ التي ألبستنا الحذاءَ
ستمزقُ الأقدامَ في منتصفِ الطريقْ
فجأةً...
شعرتُ بخنجرٍ في قدمي
وشعرتَ أنتَ أنَّ ضيقتي
تُشققُ جلدَكَ الناعمْ
فبدأتَ تصرخُ...
بدأتُ أصرخُ...
لا أحدَ يسمعُ أحدْ
أنا أضغطُكَ كأني جبلْ
وأنتَ تضغطُ عظامي كالمطرقهْ
أنا أحملكَ كأني التربهْ
وأنتَ تحملُ ثقلي كالخنجرِ في الظلامْ
كأننا نرقصُ بلا موسيقى
كأننا نتحدثُ بلغةِ العجما
كأننا نتخاصمُ في قاعةٍ
لا أبوابَ لها ولا نوافذْ
يا صاحبي...
ما نحنُ؟
قدمٌ تريدُ الوصولَ
وحذاءُ يبحثُ عن قدمْ
كلٌّ يجرُّ الآخرَ نحوَ العدمْ
وهكذا كلُّ علاقةٍ
تُولدُ من رفٍّ
وتُرضعُ من لسانِ بائعٍ ماكرْ
تبدأُ باللمعةِ والبريقِ
وتنتهي بالعرجِ والطريقِ الطويلْ
وهكذا كلُّ حبٍّ
نلبسُهُ كحذاءٍ ضيقٍ
لا هو يفهمُ ما نريدْ
ولا نحن نفهمُ ما يريدْ
ونمشي...
نمشي حتى تتقرحَ الأقدامْ
ونمشي...
نمشي حتى يهترئَ الحذاءْ
ونظلُّ نمشي...
لا لأننا نريدُ الوصولْ
بل لأننا نسيْنا كيفَ نتوقفْ
تعالَ نتصالحْ...
فالعمرُ أقصرُ من خلافٍ لا يزالْ
تعالَ نتصالحْ...
لكنَّ جرحَ البدايةِ ما اندملْ
مشينا...
لا هوَ أرخى، لا أنا لنتُ
مشينا...
حتى تعبنا من مشينا
وتعلّمنا الوقوفْ