على حافة الجحر
على حافةِ الجحرِ
للكاتب والشاعر صالح إدريس
على حافةِ الجحرِ
كان الصخرُ قبضةً تنطبقُ على نَفَسٍ أخيرْ
وكان الثعبانُ يلتوي
كشريانٍ يُحاصِرُهُ فراغُ القلبِ
لحظةَ الانفجارْ
جاءَ المزارعُ فجراً
يحمِلُ في كفّيهِ رحمةً
لم يعلمْ
أنّ الرحمةَ في هذا المكانِ
تُسعَّرُ بالذهبْ
رفعَ الصخرَ
كان أثقلَ من ندمِ جبلْ
فتنفّسَ الثعبانُ
تنفّسَ مثلَ الأرضِ
حينَ تُصدِّقُ المطرْ
قال بلغةِ الحكماءِ:
«خُذْ هذا النايَ
وكلّما نفختَ فيهِ
جئتُ من جوفي
أحملُ لكَ قطعةً من ذهبْ»
ومنذُ ذلك الفجرِ
صارَ النايُ يعرفُ شفتيهْ
والترابُ يعرفُ قدميهْ
كلُّ صباحٍ نايْ
وكلُّ صباحٍ ذهبْ
وكلُّ صباحٍ صفقةٌ
بين فمٍ ونابْ
مرّتِ السنونُ على الاتفاقْ
كبرَ المزارعُ
وشابَ الذهبُ في يدِهِ
كما يشيبُ الضوءُ في عينَي شحيحْ
ثم قرّرَ الرحيلْ
أعطى ابنَهُ النايَ
وقال:
«انفخْ كما كنتُ أنفخْ
ستأتيكَ الحيةُ
تحملُ لكَ الذهبْ»
سافرَ الأبْ
وبقيَ الابنْ
وبقيَ النايُ
وبقيَ الذهبُ يتدفّقُ
كنهرٍ لا يعرفُ أنّه يحفِرُ ضفّتَيْهْ
وفي ليلٍ لا ينامْ
بدأ الهمسُ
من خلفِ الضلوعِ
بدأ ينخرُ
بدأ يهمسُ:
«لماذا قطعةٌ واحدةْ؟
لماذا لا تأخذُ الكنزَ كلهْ؟
اضربها بالفأسِ
وخُذْ ما شئتَ من ذهبْ»
وفي صباحٍ أسودْ
نفخَ الابنُ في النايْ
خرجتِ الحيةُ
كشريطِ دخانٍ من رمادْ
خرجتْ من الجحرِ
كأنّ الجحرَ فمُ الأرضِ
حينَ تتكلّمْ
فرفعَ الفأسَ
وضربَ...
ضربَ كمن يضربُ ظلَّهُ
في ماءْ
فطارَ ذيلُ الحيةِ
كخيطِ فجرٍ مذبوحٍ على الترابْ
لكنَّ الحيةَ لم تمتْ
الحيةُ لا تموتُ
بهذه السهولةْ
انتفضتْ
وغرزتْ نابَها
في قلبِ الابنِ
فماتَ
كما يموتُ نَفَسٌ
في صدرِ من قالَ: «أنا»
للمرةِ الأخيرةْ
حملتِ القريةُ جسدَهُ
ودفنوهُ تحتَ شجرةِ التينْ
وأرسلوا خبراً للأبْ:
«ماتَ ابنُكَ»
رجعَ المزارعُ
كانت قدماهُ تحملانِ جبلاً
وكانت عيناهُ تحملانِ بحراً
ذهبَ إلى الجحرِ
رفعَ النايَ
نفخَ...
نفخَ بكلِّ ما بقيَ في صدرِهِ من عمرْ
خرجتِ الحيةُ
كان ذيلُها مقطوعاً
وكانت عيناها
تحكيانِ ما لا يُحكى
قالت:
«لماذا تنفخُ يا شيخْ؟
ماذا أتى بكَ إلى هنا؟»
ثم قالت:
«لا أنا سأنسى ذنبي
ولا أنتَ ستنسى ابنَكْ»
وسكتا...
سكتَ النايُ
سكتَ الذهبُ
سكتتِ الحكمةُ
وسكتَ الألمْ
وفي الجحرِ
بقيتْ قطعةُ ذهبٍ
لم يأخذها أحدْ