نسب
نسيج العنكبوت
للكاتب والشاعر صالح إدريس
أَسَمِعْتِ قَبْلِي
أَنَّ أَحَدًا حَاكَ ثَوْبًا
مِنْ نَسِيجِ العَنْكَبُوتْ؟
كَانَ يَغْزِلُ مِنْ رَمَادِ النَّجْمِ،
مِنْ زَفِيرِ الوَرْدِ،
مِنْ رَعْشَةِ الضَّوْءِ
عَلَى وَجْهِ المِيَاهْ.
خَيْطُهُ الأَوَّلُ كَانَ دَمْعَةً
لَمْ تَجِدْ كَتِفًا تَنَامُ عَلَيْهْ،
وَخَيْطُهُ الثَّانِي كَانَ نَفَسًا
تَعَلَّقَ بَيْنَ الشَّهِيقِ وَالسُّكُوتْ،
وَخَيْطُهُ الثَّالِثُ كَانَ وَعْدًا
كَبَيْضَةٍ فِي عُشِّ الرِّيحِ،
لَا تَدْرِي مَنْ سَيَحْمِيهْ.
لَمْ يَكُنِ الثَّوْبُ سِتْرًا،
كَانَ ضَبَابًا رَقِيقًا
يَتَشَبَّثُ بِالأَكْتَافِ
كَمَا يَتَشَبَّثُ الحَنِينُ
بِأَطْرَافِ المَسَافَاتْ.
العِشْقُ فِي ثَوْبٍ عُرْيَانٍ
كَعَاشِقٍ يَقِفُ عَارِيًا
أَمَامَ بَابِ المَلَكُوتْ،
يُغَنِّي لِلرِّيحِ،
وَيَرْقُصُ مَعَ الظِّلَالْ،
وَلَا يَخَافُ الفَوْتْ.
يَتْرُكُ عَلَى الكَفِّ أَثَرًا
كَرَائِحَةِ اللَّيْلِ فِي شَعْرِ امْرَأَةٍ،
كَنَدًى عَلَى وَرَقِ التُّوتْ،
كَنَجْمَةٍ سَقَطَتْ فِي بِئْرٍ
وَمَا زَالَ لَهَا صَوْتْ.
وَإِذَا انْتَظَرْتَهُ طَوِيلًا،
تَحَوَّلَ إِلَى فَرَاشَةٍ،
إِلَى غُبَارِ طَلْعٍ،
إِلَى مَاءٍ يَشْرَبُ نَفْسَهُ
فِي صَحْرَاءِ القُنُوتْ.
أُغَطِّي رُوحِي
بِأَوْرَاقِ التُّوتْ،
وَأَسْتُرُ جِسْدِي
بِظِلِّ العَنْكَبُوتْ.
لَا أُرِيدُ ثَوْبًا كَامِلًا،
يَكْفِينِي خَيْطٌ مِنْ نُورْ،
يَكْفِينِي خَيْطٌ لَا يَفُوتْ.
أَنَا طَالِبُ العِشْقِ عَلَى الأَقْدَامِ
مِنْ سَبَأٍ إِلَى حَضْرَمُوتْ.
أَمْشِي عَلَى الرَّمْلِ
كَمَنْ يَمْشِي عَلَى صَدْرِ حَبِيبْ،
وَأَحْمِلُ فِي كَفِّي خَيْطًا
مِنْ نَسِيجِ العَنْكَبُوتْ.
لَا زَادَ لِي غَيْرُ الظِّلَالْ،
وَلَا مَاءَ لِي غَيْرُ السُّكُوتْ.
كُلَّمَا تَعِبْتُ
رَأَيْتُ وَجْهَهَا فِي الغُبَارِ،
كَبَرْقَةٍ فِي قَلْبِ اللَّيْلِ،
كَنَبْضَةٍ فِي جَسَدِ الصَّحْرَاءْ.
وَعَرَفْتُ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الحُبِّ
أَطْوَلُ مِنْ عُمْرٍ لَا يُعَادْ،
وَأَقْصَرُ مِنْ رَمْشَةٍ
فِي عَيْنِ مَنْ تُحِبّ.
يَا سَبَأَ العِطْرِ،
يَا حَضْرَمَوْتَ الحَنِينِ،
لَا أَطْلُبُ مُلْكًا
وَلَا مَلَكُوتْ.
أَطْلُبُ خَيْطًا وَاحِدًا
يَمْتَدُّ مِنْ قَلْبِي إِلَى قَلْبٍ بَعِيدٍ،
كَجِسْرٍ مِنْ ضَوْءٍ
عَلَى نَهْرٍ مِنَ السُّكُوتْ.
وَإِنْ ضَاعَ،
أُعِيدُ غَزْلَهُ مِنْ نَفَسِي،
مِنْ دَمِي،
مِنْ كُلِّ مَا تَبَقَّى فِيَّ مِنْ صَوْتْ.
وَإِنْ مُتُّ عَلَى الأَقْدَامِ
بَيْنَ سَبَأٍ وَحَضْرَمُوتْ،
فَلْيَكُنْ قَبْرِي خَيْطًا
مِنْ نَسِيجِ العَنْكَبُوتْ.
عَلَّ عَابِرًا بَعْدِي
يَرَى ظِلِّي عَلَى الرَّمْلِ،
فَيَعْرِفُ أَنَّ العِشْقَ
لَا يَمُوتْ.