دعيني اقرأ شفتيكِ
دعيني أقرأْ شفتيكِ
للكاتب والشاعر صالح إدريس
دعيني أقرأْ شفتيكِ
كما يقرأُ المتلعثمُ
ويتأتئُ في سطرْ…
يقولُ فيه ما ليس فيهْ
يقضي العمرَ في تهجّئتهْ
يمضي في الألمِ، في القهرْ…
ويتوهُ في الحرفِ، يزدريهْ
كأنه أمضى شهرْ…
دعيني أقبّلْ شفتيكِ
كأننا في رقصِ لهيبٍ مستعرْ
أطيرُ، أمضي بالساعاتِ
كأنني أطيرُ من الأطلسي
إلى قطرْ…
دعيني أتقربْ منكِ
من حممِكِ المنصهرةْ
لا تُشعريني أنّي أمسكُ الجمرْ.
فأنا الذي تعلّمَ منكِ
كيف يتهجّى الضوءَ
في ليلٍ مقيمْ
وكيف يخبّئ قلبَه
في آخرِ سطرٍ من قصيدةٍ
لا تنتهي.
أنا الذي إذا مرّ اسمُكِ
في دمه
اشتعلت المدائنُ
وانطفأَ الكلامْ.
أنا الذي
بعشقِهِ لكِ
إذا اقتربَ
فجّرَ في المدائنِ
كلَّ ما تبقى من لهبْ…
قولي: أحبّكِ
بترددِ طفلٍ يقرأُ أولَ حرفْ
قوليها
ولو كان الحرفُ الأخيرُ
سكينًا على الورقْ.
دعيني أقرأْ شفتيكِ
لا كي أفهمْ
بل كي أضيعَ في المعنى
إذا جاءتِ الساعاتُ
من الغيابِ إلى الحضورْ
وأنا بينهما
نجمٌ مهاجرٌ
لا يعرفُ العودةْ
ولا يعرفُ الرسوْ.
دعيني أقتربْ
من لهبكِ المصهورْ
لا تُشعريني
أنّي ماضٍ للهلاكْ…
فالهلاكُ أن تبقي بعيدًا
لا أن أحترقْ…
فأنا الذي يحملُ في عينيهِ
كلَّ ما تبقى من القمرْ…
دعيني أقرأْ شفتيكِ
كما يقرأُ الغريقُ
آخرَ النبضِ في الحجرْ…
كما يقرأُ المسافرُ
في عينيكِ
عنوانَ المطرْ…
كأنني أطيرُ من اسمي
إلى اسمكِ…
ولا أصلُ…
ولا أجدُ الخبرْ…
دعيني أقبّلْ شفتيكِ
أطيرُ، أمضي بالساعاتِ
وفي منتصفِ الطريقِ
تسقطُ كلُّ الأسماء
من يدي
ويبقى اسمُكِ
مثلَ شرارةٍ في الحجرْ…
دعيني أهجرْ باسمكِ
كلَّ ما كتبتُ من خبرْ…
وكلَّ لغةٍ
لم تتقنْ
غيرَ النحيبِ والسفرْ…
دعيني أضعْ
رأسي على صدرِكِ
كي أسمعَ
كيف يتهجّى القلبُ
أولَ سطرْ…
دعيني أعتذرْ
عن كل حرفٍ
خانَني
في غيابكِ
وانتصرَ…
وعن قصيدةٍ
لم تكتملْ
لأنها انتظرتْ
على رصيفِ بحرْ…
دعيني أتسللْ إلى لهيبكِ
مثلما يتسللُ العطرْ…
لا تخبئيني في زاويةٍ
ولا تضعي على فمي حجرْ…
أنا الذي إذا نطقتْ
شفاهُكِ اسمي
صار الكلامُ انفجارْ…
انفجر ...
دعيني أقرأْ شفتيكِ
مرةً أخرى
لكن هذه المرة
بلا خوفٍ ولا حذرْ…
فإن متُّ
فليكن موتي
على حدودِ شفتيكِ
في آخرِ سطرْ…
وإن عشتُ
فليكن عيشي
كما يعيشُ فيكِ
من اختارَ القدرْ.