بحران
بحران
للكاتب والشاعر صالح إدريس
نحن بحرانِ تجاورنا…
بيننا برزخٌ لا يبغيان…
ولكن لا يلتقيان.
أنا البحرُ المالح.
ذقني…
تعرف لماذا لا يشربُ منّي أحدٌ مرتين.
وأنتِ العذب.
حتى اسمكِ يبلّلُ الشفاه.
الناسُ يشربون منكِ ويمضون،
ولا يلتفتون.
نحن بحرانِ تجاورنا…
بيننا برزخٌ لا يبغيان…
ولكن لا يلتقيان.
أنا لا أبتلعُ من أحبّ.
أرفعُه على ظهري
وأتركُه يطفو…
لا رحمةً به،
بل خوفًا من أن أذوبه فيّ.
وأنتِ تغرقينهم في حلاوة،
ثم تنبتين على ضفافهم زهرًا.
أنا أُغرقُ القمر
لأنه يذكّرني بوجهك.
وأنتِ تعكسينه
لأنكِ لا تخافين الضوء.
نحن بحرانِ تجاورنا…
بيننا برزخٌ لا يبغيان…
ولكن لا يلتقيان.
في داخلي سمكٌ مالح،
وفي داخلكِ سمكٌ حلو.
يتنفّس الجميع…
لكن أحدًا لا يتنفّس مع أحد.
يا عذبةً تروي المدائن،
وأنا أموتُ عطشًا
وأنا الملح.
حين تجتازُنا السفن
يفرّقنا بنو الإنسان.
يعبرون فوقنا،
يرون وجهكِ في الضوء،
ويرون قاعي في العتمة،
ثم يمضون…
وفي قاعي مدافنُ موتى:
غرقوا وهم يحاولون الوصول إليك.
غرقوا لأنهم ظنّوا
أنّ العذب يستطيع أن يحملَ المالح.
وأنتِ…
لم تحملي أحدًا.
نحن بحرانِ تجاورنا…
بيننا برزخٌ لا يبغيان…
ولكن لا يلتقيان.
أنا أحفظهم.
أنا لا أبتلع.
قاعُكِ يبتلع،
وقاعي يحفظ.
وأنتِ كانعكاسِ القمر:
بدرٌ في ماءٍ خالد.
وأنا…
القمرُ يغرق فيّ
ولا يعود.
صرنا بدرين،
لكن أحدهما في السماء،
والآخر في قاع.
أنا البحرُ المالح.
وأنتِ البحرُ العذب.
من ماءٍ واحدٍ سُقينا،
وفي شطآنٍ شتّى.
نحن بحرانِ تجاورنا…
بيننا برزخٌ لا يبغيان…
لا يلتقيان.
جميع الحقوق محفوظه لعيناكِ © .