النافذة التي لا تُطلُّ على شيء
ـــــــــــــــــــــــــــ،
لم تكن في الغرفة نافذة، ومع ذلك كان الرجل العجوز يفتحها كل صباح. يدخل عند السادسة تمامًا، يضع فنجان القهوة على الطاولة، يزيح الستارة الوهمية، ثم يمد يديه في الهواء كمن يدفع مصراعين من خشب. كان الجيران يراقبونه من خلف الأبواب؛ يقول أحدهم: «لقد فقد عقله»، ويرد آخر: «الوحدة تفعل أكثر من ذلك». أما الصبي الصغير الذي يسكن في الطابق المقابل، فلم يقتنع.
في أحد الأيام، انتظر حتى خرج العجوز لشراء الخبز، ثم تسلل إلى شقته. كانت الغرفة خالية إلا من ساعة متوقفة عند السادسة. اقترب من المكان الذي يفتح فيه العجوز نافذته كل صباح، فلم يجد سوى حائط أبيض. غير أن آثار أصابع كثيرة كانت تمتد عليه، كأن أحدًا ظل يلمسه لسنوات. وضع الصبي كفه على الحائط، فإذا بصوت أمه يأتيه واضحًا: «لا تنسَ معطفك يا بني». تراجع مذعورًا. كانت أمه قد ماتت منذ ثلاث سنوات.
ظل واقفًا لا يعرف أيفر أم يستمع، حتى جاءه صوت آخر من خلفه: «لا تخف». كان صوت العجوز. استدار فوجده عند الباب. لم يغضب، بل ابتسم وقال: «عرفت الآن لماذا أفتحها؟». هز الصبي رأسه. اقترب العجوز من الحائط ووضع يده عليه: «هذه ليست نافذة يا بني». سأله الصبي: «إذن ما هي؟». أجاب: «هذه ذاكرة. منذ ماتت زوجتي، اكتشفت أن الإنسان لا يفقد الذين يحبهم حين يرحلون، بل يفقدهم حين يتوقف عن تذكّرهم».
نظر الصبي إلى الحائط وسأل: «وهل تسمع زوجتك من هنا؟». ابتسم العجوز: «أحيانًا». قال الصبي: «وماذا تقول لك؟». رفع العجوز عينيه نحو الساعة المتوقفة وقال: «تقول لي الشيء نفسه كل يوم». سأله: «ماذا؟». أجاب: «لا تتأخر عن البيت». ثم ابتسم الصبي وسأله: «وهل ستظل تفتح النافذة إلى الأبد؟». نظر إليه العجوز طويلًا وقال: «لا». «ومتى ستغلقها؟». أجاب: «عندما لا يعود أحد يحتاج إلى أن يتذكر».
في صباح اليوم التالي، لم يفتح العجوز النافذة. ولأول مرة منذ سنوات، بقيت الستارة مسدلة. صعد الصبي إلى شقته وطرق الباب، فلم يجبه أحد. طرق مرة أخرى، ثم فتحه ببطء. وجد العجوز جالسًا إلى جوار الحائط، هادئًا، وفنجان القهوة البارد بين يديه. اقترب الصبي، فرأى فوق الحائط نافذة مرسومة بالقلم، وتحتها جملة واحدة: «افتحها لمن يأتي بعدي».
ومنذ ذلك اليوم، صار الصبي يدخل الغرفة كل صباح عند السادسة، يضع فنجانين من القهوة، ثم يفتح النافذة. لكن هذه المرة لم يكن الصوت الذي يأتي من خلف الحائط صوت امرأة ميتة، بل كان صوت العجوز يقول: «لا تتأخر عن البيت يا بني».
بقلم / احمد عزيز الدين احمد
كاتب وروائي وشاعر
#أدب

1 مشاركة39 مشاهدة