في فجوة الغار
فِي فَجْوَةِ الْغَارِ نُورٌ يَنْسِجُ الْأَمَلَا
كَيْمَا يُضِيءَ غَداً دُونَ الْوَرَى السُّبُلَا
يَسْتَلْهِمُ الْفَجْرَ مِنْ دَيْجُورِ عُزْلَتِهِ
فَتَرْتَقِي رُوحُهُ نَحْوَ الْعُلَا نُزُلَا
لَمْ يَسْتَمِعْ لِنِدَاءِ الْأَرْضِ يَدْفَعُهُ
نَحْوَ الضَّلَالِ وَلَمْ يَرْكَنْ لِمَا بَطَلَا
حَتَّى أَتَاهُ بَشِيرُ الْحَقِّ يُبْلِغُهُ
وَحْيَ السَّمَاءِ وَلَمْ يَتْرُكْهُ مُنْعَزِلَا
وَافَى خَدِيجَةَ مُرْتَاعاً يُخَاطِبُهَا :
أَنْ زَمِّلُونِي وَأَلْقُوا فَوْقِيَ الْخَمَلَا
فَهَدَّأَتْ بِحُنُوِّ الرِّئْمِ رَوْعَتَهُ
وَاسْتَفْهَمَتْهُ بِرِفْقٍ : مَا الَّذِي حَصَلَا ؟!
وَبَعْدَمَا زَالَ عَنْهُ الرَّوْعُ قَالَ لَهَا :
قَدْ خِلْتُ أَنِّي بَلَغْتُ الْيَوْمَ ذَا الْأَجَلَا
سَمِعْتُ صَوْتاً يُنَادِينِي بِجَلْجَلَةٍ
كَادَت تَّدُكُّ لَدَى تَكْرَارِهَا الْجَبَلَا
إِذْ بِي أَرَى رَجُلاً سُدَّتْ بِهَيْئَتِهِ
آفَاقُ مَكَّةَ ، لَمْ أَشْهَدْ لَهُ مَثَلَا
فَقَالَ لِي : اقْرَأْ ، بِرَغْمِ الْجَهْدِ قُلْتُ لَهُ :
لَا أَقْرَأَنَّ وَمَا عُلِّمْتُهَا ، فَتَلَا ...
آياً جَرَتْ فِي دِمَائِي بِتُّ أَحْفَظُهَا
وَكِدتُّ أُصْعَقُ مِنْ تَرْتِيلِهَا وَجَلَا
تَهَلَّلَتْ فَرَحاً وَاسْتَبْشَرَتْ فَهَمَتْ
دُمُوعُهَا بَلْسَماً يَشْفِي لَهُ الْعِلَلَا
لَا بُدَّ أَنْ لَكَ شَأْنٌ سَوْفَ يَجْمَعُ مَا
بَيْنَ الْأَنَامِ وَذِكْرٌ فِي السَّمَاءِ عَلَا
أَنْتَ النَّبِيُّ وَأَيْمُ اللهِ حَيْثُ أَرَى
أَتَاكَ وَحْيٌ أَتَى مِنْ قَبْلِكَ الرُّسُلَا !
بُشْرَاكَ بُشْرَاكَ إِنِّي الْيَوْمَ أَشْهَدُ أَنْ
أَنْتَ النَّبِيُّ بِحَقٍّ وَالْيَقِينُ جَلَا !
***********
كَانَتْ قُرَيْشُ تُبَاهِي غَيْرَهَا نَسَباً
وَشَادَ سَادَتُهَا مَجْداً لَهَا أَثَلَا
وَالْجَدُّ هَاشِمُ بَيْنَ النَّاسِ أَكْرَمُهُمْ
وَكَانَ يَمْتَلِكُ الْأَنْشَابَ وَالْإِبِلَا
يُزْجِي الْقَوَافِلَ صَيْفاً لِلشَّآمِ وَفِي
فَصْلِ الشِّتَاءِ إِلَى صَنْعَاءَ مُرْتَحَلَا
لَمْ يَسْلُكِ الْعُرْبُ دَرْباً فِيهِ وَحْدَتُهُمْ
فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى غَادَرُوا الضَّلَلَا
كَانُوا قَبَائِلَ شَتَّى لَا تَرِيمُ لَهَا
غَزْواً تَرُومُ بِهِ الْأَسْلَابَ وَالذَّحَلَا
يُقَدِّسُونَ لَدى الطّاغُوتِ آلِهَةً
تُدْعَى مَنَاةَ، إِسَافاً، جَلْسَداً، هُبَلَا
قَدْ مَالَأُوا الْفُرْسَ وَالرُّومَانَ شَرْذَمَةً
وَلَمْ يَكُفُّوا حُرُوباً بَيْنَهُمْ وَقِلَى
لَكِنْ تَآخَوْا بِظِلِّ الْمُصْطَفَى فَغَدَوْا
خَيْرَ الْأَنَامِ فَذَابُوا فِي الْهُدَى مِلَلَا
نَضَوْا عُبُودِيَّةَ الْإِنْسَانِ وَاتَّخَذُوا
لَهُمْ عُبُودِيَّةَ الرَّحْمَنِ مُتَّكَلَا
تَحَرَّرُوا مِنْ قُيُودِ الظُّلْمِ وَاعْتَنَقُوا
شَرِيعَةَ الْحَقِّ دِيناً بَيْنَهُمْ عَدَلَا
قَدْ شَيَّدُوا دَوْلَةً عَمَّ الرَّخَاءُ بِهَا
وَوَطَّدُوا الأَمْنَ فِي أَرْجَائِهَا ظُلَلَا
صَانُوا الكَرَامَةَ فَانْدَاحَتْ مَهَابَتُهُمْ
بَيْنَ الأَنَامِ فَفَاضَ النُّورُ وَانْهَمَلَا
وَطُهِّرَ النَّاسُ مِمَّا كَانَ يَسْكُنُهُمْ
مِنَ الخَبَائِثِ وَاعْتَامُوا الهُدَى بَدَلَا
***********
يَا رَبِّ قَد جَّاوَزَ الْمُحْتَلُّ مُقْتَرِفاً
شَتَّى الرَّزَايَا الْمَدَى صَبْراً وَمُحْتَمَلَا !
جَاسَ الدِّيَارَ وَسَوَّاهَا بِحَارَ دَمٍ
وَدَنَّسَ الْقِبْلَةَ الْأُولَى وَمَا سُئِلَا
تَفَرَّقَتْ أُمَّةُ الْإِسْلَامِ فَاسْتُلِبَتْ
مِنْهَا مَهَابَتُهَا وَاشَّرْذَمَتْ دُوَلَا
أَصَابَهَا وَهَنٌ فَاسْتَسْلَمَتْ وَهَوَتْ
فَرِيسَةً لِعَدُوٍّ غَاشِمٍ رَذُلَا
وَاثَّاقَلَتْ خَوَراً لِلْأَرْضِ فَامْتُهِنَتْ
وَاسْتُعْبِدَتْ وَعَلَاهَا الرَّانُ وَاشْتَمَلَا
يا رَبِّ إِنِّي وَقَلْبِي مُفْعَمٌ أَلَماً
أَشْكُو إِلَيْكَ نَكَادَ الْحَالِ مُبْتَهِلَا
أشْكُو إِلَيْكَ وَمَا إِلَّاكَ مُلْتَحَدٌ
هذا الهَوانَ وكَرْباً نابَنا جَلَلَا
أَشْكُو تَخَاذُلَ مِلْيَارَيْنِ قَد تَّرَكُوا
مَسْرَى النَّبِيِّ رَسِيفَ القَيْدِ مُعْتَقَلَا !
يَدْعُو الأُبَاةَ إِلَى تَحْرِيرِهِ فَمَتَى
يُجْلَى القَتَامُ وَتَنْضُو أُمَّتِي الوَهَلَا ؟!
نابلس في 15 / 9 / 2025 م