الثقافة كقناع للوقاحة
بقلم خليفة عبد السلام /
• هناك لحظة؛ تفقد فيها الساحة الثقافية معناها دونما تتوقف عن إنتاج الضجيج؛ حيث تستمر الندوات وتزداد وتيرة تكاثر المنشورات وتبقى الأسماء تتبادل صفات المثقف والكاتب والناقد، لكن شيئاً جوهريا يكون قد انسحب من المشهد- هو تلك الفكرة التي تمنح كل هذا الحضور مبرره ومقوماته، والقضية التي تجعل المعرفة تتجاوز صاحبها لتصبح موقفاً من الإنسان والعالم
فحين تغيب الفكرة لن يقاوم الفراغ كثيرا ولن يبقى فارغًا طويلاً، فسرعان ما تحتله الغرائز الصغيرة:- التنافس المرضي، تصفية الحسابات، القذف، التشويه، الابتزاز، صناعة الشائعات، التكتلات المغلقة، وتبادل الولاءات بحسب المصلحة.. وعندها لا يعود الخلاف اختلافاً في الرؤية، بحيث يكشف عن شكله بوضوح والذي يتجسد في التحول إلى صراع على الموقع والاعتراف والنفوذ وتصبح الثقافة مجرد اللغة الراقية التي تُدار بها نزاعات شديدة الابتذال
لا يكمن الأشكال في أن المثقف يخطئ فمن البديهي أن الثقافة لا تمنح صاحبها عصمة أخلاقية، المشكلة تستقر في كون بعض الممارسات تكشف أن الثقافة لم تلجَ أصلاً للبنية الداخلية لصاحبها وأن ما تراكم لديه من قراءة أو شهادات أو حتى من مصطلحات لم يتبلور لوعي يضبط سلوكه.. فيمكن للإنسان أن يعرف أسماء الفلاسفة ويستشهد بالنظريات ويكتب عن الحرية والكرامة ثم يمارس الإقصاء والتهميش ويقبل بالتحالفات الرخيسة حين ترتبط بمصلحته، وفي هذه اللحظة يكتسب التساؤل شرعية- هل نحن أمام مثقف أخفق تطبيق ما يؤمن به؟ أم نحن أمام شخص لم يفهم الثقافة إلا بوصفها رأسمال رمزي يمنحه السلطة!؟
فالثقافة في عمقها لاتتحسد في كمية ومقدار مايعرفه الانسان- ولكنها الكيفية التي شكلت بها المعرفة علاقته بالغير والحقيقة ونفسه.. فما جدوى قراءة الفلسفة إذا بقي الإختلاف عندنا إهانة، وما معنى الحديث عن التنوير إذا كان أول رد فعل تجاه الأخر هو محاولة تشويهه، وما قيمة الدفاع عن الحرية حين لا نعترف بها سوى لمن يتشابه معنا أو يخدمنا!
من هذه المسافة تبدو الساحة الثقافية وكأنها صنعت طبقة تعرف لغة الثقافة من دون أن تمتلك أخلاقها، حيث تعي كيف تصوغ الاتهام وكيف تمنح الخصومة غطاءً فكريا، وتتعلم كيف تحول الحقد إلى موقف والغيرة إلى نقد والتكتل إلى مشروع ثقافي.. والأزمة أن اللغة هنا لا تهذب السلوك بينما تمنحه قدرة أكبر على التخفي، فيصبح القبح أكثر أناقة لأنه تعلم كيف يتحدث بالمفاهيم
وحين تكرر هذه الممارسات مراراً يتشقلب وضع بعض الفاعلين ويتحول إلى ما يشبه المرتزقة الرمزيين؛ ينتقلون بين المعسكرات بما توحي به المصلحة حيث قد يرفعون شخصاً اليوم ويهدمونه غداً، من جهة يصنعون خصومهم وفق التحالفات، ومن جهة أخر يعيدون تعريف المبادئ كلما تغير موقعهم داخل المشهد.. عندها تصير الثقافة سوقاً للمواقف المؤقتة وتصبح القيم قابلة للتأخير من أي أداة أخرى .. هذا بدل أن تكون الثقافة مشروع للوعي
ولهذا لا تكمن الأزمة ربما في غياب الوعي فقط؛ لأن هذه العبارة تفترض وجود ثقافة لم تكمل.. قد تكون المشكلة أعمق مما نظن- إن بعض من اقتحموا المجال الثقافي لم يدخلوه بحثاً عن الحقيقة أو بناء للمعنى، وإنما وجدوا فيه مساحة للوجاهة والنفوذ وتعويض النقص الشخصي، وحين تكون الذات هي القضية الوحيدة يصبح كل خلاف تهديداً وكل نجاح للآخر يمثل إهانة وكل نقد يشير لمؤامرة، ثم تتحول الساحة كلها إلى حرب صغيرة تستخدم الثقافة ذخيرة وواجهة
الثقافة التي لا تنعكس على السلوك تضل معرفة معلقة فوق صاحبها والمثقف لا يُختبر حين يتحدث عن التسامح والوعي والحرية، الإمتحان وقت تمتحنه الحقيقة في الواقع حين يختلف، وحين يُنتقد، وحين يخسر، وحين يرى الآخر ينجح من دون إذنه.. هناك بالتحديد يظهر إن كانت الثقافة قد غيرت شيئاً فيه، أم أنها لم تكن سوى قناع جميل لوجه لم يتعلم بعد كيف يكون أقل قبحاً
وربما لهذا ليست المعضلة في كون الساحة تفتقر إلى المثقفين، وإنما في أنها تحتاج إلى استعادة السؤال الذي يسبق كل لقب وكل حضور- هل جعلتنا الثقافة أكثر وعياً بالإنسان، أم منحتنا فقط مفردات أكثر تعقيداً لنمارس بها وقاحتنا القديمة!؟

34 مشاهدة