قبل أن يُطفئ الحارسُ النُّور
في السابعة إلا عشر دقائق من مساء الخميس، كان الحارس يمرّ كل ليلة بالطابق الثالث من مبنى البريد القديم، يُطفئ المصابيح واحدًا بعد الآخر، ثم ينزل إلى البهو حيث يضع مِفْتاح البوابة الحديدية في جيبه ويغادر.
لكن في تلك الليلة، ترك مِصْباح الممر الأخيرِ مُضاءً. لم يكن يعرف لماذا. ربما لأن الباب رقم سبعة عشر ظل مفتوحًا. وربما لأن الصوت الذي سَمِعه من الداخل، قبل دقائق، جعله يتردد في إغلاق المكان. كان صوتَ امرأة تقول:
- لا تقلق... أنا جاية.
ثم صمت.
عاد الحارس خطوتين إلى الوراء، ونظر إلى الباب. كان المبنى خاليًا تقريبًا منذ أن انتقلت مصلحةُ البريد إلى مقرٍّ جديدٍ. ولم يعد يستخدم منه سوى غرفتين في الطابق الأرضي، ومكتب قديم في الطابق الثالث تستعمله جمعية أهلية مساء كل خميس.
لم يكن الحارسُ يعرف أسماءَ الموجودين هناك. كان يعرف فقط أن امرأةً شابّةً تأتي أحيانًا قبل الجميع، تحمل حقيبةً قُمَاشيّةً زرقاءَ، وتجلس في الغرفة رقم سبعة عشر حتى موعد انتهاء الاجتماع.
في تلك الليلة، رأى الحقيبة على الكرسي. لكن صاحبتها لم تكن في الغرفة.
ــــــــــــــــ
قبل ساعتين، كانت مريم تجلس في مقهى صغير خلف محطة القطار. لم تكن تنتظر أحدًا. على الأقل هذا ما قالته لصديقتها هالة. وضعت هاتفها على الطاولة، ثم قلبته على وجهه. قالت هالة:
- إنتِ بتعملي كده ليه كل ما ييجي اسم كريم؟
رفعت مريم عينيها.
- أنا مش بعمل حاجة.
- بتقلبي الموبايل.
- صدفة.
ضحكت هالة.
- إنتِ من ساعة ما عرفتيه وكل حاجة عندك صدفة.
ابتسمت مريم رغمًا عنها. كان بينهما ذلك النوعُ من الصداقة الذي يسمح بكل شيء إلا الاعترافَ بالحقيقةِ كاملةً. كانت مريمُ تعمل في مركز صغير لمساعدة النساء في استخراج أوراقهنّ الرسمية، وكانت هالة تعمل معها منذ عامٍّ تقريبًا.
في ذلك اليوم، جاءت امرأةٌ مُسنّة إلى المركز تبحث عن ابنتها. لم تكن تحمل صورةً. ولا عنوانًا. ولا حتى اسمًا كاملًا. كان معها ظرفٌ أصفَرُ فقط. قالت للموظفة:
- البنت دي كانت بتشتغل هنا من زمان. قالوا لي: إنكم ممكن تساعدوني.
فتحت مريمُ الظرفَ. ثلاث صُوَر قديمة. إيصال تحويل مالي. ورقة صغيرة عليها رقمْ هاتف. توقفت عند الرقْم. كانت قد رأَتْهُ مِن قبلُ. ليس على هاتفها. بل في دفتر الحضور الموجود في الغرفة رقْم سبعة عشر. رفعت رأسها.
- مين اللي قال لك على المكان ده؟
قالت المرأة:
- واحد اسمه سامح.
سكتت مريمُ لحظةً. كانت تعرفُ الاسمَ. سامح لم يكن موظفًا في الجمعية. لكنه كان يعرفُ كلَّ شيء يحدُثُ فيها. قالت المرأة، قبل أن تغادر:
- المهم أعرف هي راحت فين.
ثم قبضتْ على الظرفِ بيدِها، كأنها تخشى أن يُنتزَعَ منها. نظرتْ مريمُ إليها. كان في عيني المرأة شيءٌ لم تستطعْ فهمَهُ. حزن، نعم. لكنّ شيئًا آخَرَ أيضًا. شيئًا جعلها تسأل:
- إنتِ متأكدة إنك عايزة تعرفي بنتك راحت فين؟
رفعت المرأةُ عينيها إليها.
- لازم أعرف.
ثم غادرتْ. وعند السادسة إلا ربعًا، خرجت هالةُ من المقهى. قالت وهي ترتدي معطفَها:
- هتروحي الاجتماع؟
- آه.
- ما تتأخريش.
- مش هتأخر.
ترددت هالةُ لحظةً. ثم قالت:
- مريم...
- نعم؟
- لو كريم كلمك، ما تروحيش تقابليه لوحدك.
ضحكت مريمُ.
- إنتِ ليه شايفة الدنيا فيلم؟
- عشان أنا مش واثقة فيه.
- وإيه اللي إنتِ واثقة منه؟
نظرت إليها هالةُ طويلًا.
- مش كل حاجة لازم تتقال مرة واحدة.
غادرتْ. ظلت مريمُ وحدَها. وبعد دقائقَ، وصلَتْها رسالةٌ من رقْم غير مُسجَّل:
«لو عايزة تعرفي البنت اللي في الظرف راحت فين، تعالي المكتب القديم الساعة سبعة».
قرأت الرسالةَ مرتين. ثم مسحَتْها. وبعد أقَلَّ من دقيقةٍ، ظهرت رسالةٌ ثانيةٌ:
«ومتجيبيش حد معاكي».
نظرتْ مريمُ إلى شاشةِ الهاتفِ. ثم أعادَتْه إلى حقيبَتِها.
ـــــــــــــــــــــــ
في السابعة تمامًا، كانت مريمُ تصعد درَجَ المبنى القديم. كانت تَعرِفُ أن عليها أن لا تذهبَ. ومع ذلك ذهبتْ. لم يكن الأمرُ شجاعةً منها. كان شيئًا آخَرَ. فضولًا ممزوجًا بإحساسٍ ثقيلٍ بالمسئولية.
المرأة العجوز خرجت من المركز وهي تظن أن مريم ستساعدها. ولو كانت الرسالةُ مرتبطةً بها فعلًا، فإن تجاهلها قد يعني أن تختفيَ آخر فرصة لمعرفة الحقيقة.
فتحت باب الطابق الثالث. كان الممر مظلمًا إلا من المِصْباح الأخير. وجدتْ بابَ الغرفة رقم سبعة عشر مفتوحًا. دخلت. الحقيبةُ الزرقاءُ على الكرسي. المكتبُ خالٍ. وعلى الطاولة جهازُ تسجيلٍ صغيرٌ. تقدمت نحوه. ضغطت زِرَّ التشغيل. جاءها صوتُ رجل:
- لو إنتِ مريم، يبقى هالة ما قالتلكيش كل حاجة.
تجمّدتْ. انطفأ الضوءُ.
ــــــــــــــــــ
في الوقتِ نفسِه، كانت هالةُ في سيارة أجرة تتجه إلى الطرَفِ الآخَرِ من المدينة. كانت تنظر إلى شاشةِ هاتفِها. وصلَتْها رسالةٌ تقول:
«دخلت».
كتبت:
«متأكد؟»
جاء الرد:
«أيوه».
ثم:
«دلوقتي دورك».
لم تكتب هالةُ شيئًا. أغلقت الهاتف. لكن السائق لمح وجهها في المرآة.
- حضرتك كويسة؟
- آه.
- شكلك تعبانة.
- أنا بس مستعجلة.
وبعد دقائق، توقفت السيارةُ أمام عمارة قديمة. دفعت الأجرةَ، ونزلت. ظلت واقفةً أمام المدخل دون أن تدخل. كان معها مِفْتاح. لكنها لم تكن متأكدةً أنها تريد استعمالَهُ.
ــــــــــــــــ
في الغرفة رقم سبعة عشر، عاد الضوءُ فجأةً. كانت مريمُ واقفةً وحدَها. ظهر على شاشةِ جهاز التسجيل عدّادٌ يتناقص. تسعون ثانية... ثمانون... سبعون. ثم خرج الصوت نفسه:
- قدامك دقيقة ونص. لو خرجتِ من الباب، هتعيشي يومك عادي. لو فضلتِ، هتعرفي ليه الناس اللي حاولوا يسألوا عن الملف ده اختفوا من الصورة.
اتجهتْ إلى الباب. وضعتْ يدَها على المقبضِ. ثم سحبَتْها. كانت تفكرُ في المرأةِ التي أعطَتْها الظرفَ. وفي هالة. وفي الاسم الذي سَمِعَتْهُ في الرسالةِ. كريم.
عاد الصوت:
- افتحي الدرج اللي تحت المكتب.
فتحت الدرج. وجدت عشراتِ البطاقاتِ الشخصية. وصُورًا. وأرقامًا. ونُسَخًا من أوراقٍ رسمية. وتحتها دفترٌ صغيرٌ. قلبت صفحاته. كانت هناك أسماء نساء كثيرات. وبجانب كل اسم كلمة واحدة: «مغلق». أو: «منقول». أو: «متابعة». وفي الصفحة الأخيرة، كان اسمٌ واحدٌ بلا كلمة. اسمها هي: مريم عبد الرحمن.
أغلقت الدفتر. وفي اللحظةِ نفسِها، سَمِعتْ صوتَ المِفْتاح يدور في الباب. استدارت. انفتح الباب. لم يدخل أحد. لكنها سَمِعتْ خطواتٍ في الممر. خطوتان. ثم صمت. أمسكت الدفتر. وللمرة الأولى شعرت أن بقاءَها لم يعد بحثًا عن الحقيقة فقط. بل أصبح بحثًا عن طريقِ للخروج.
ــــــــــــــــــ
في العاشرة، اتصلت أُمُّ مريمَ بابنتِها. لا جواب. وفي العاشرة والنصف، اتصلت بهالة. أجابت بعد وقت طويل.
- مريم عندك؟
صمتت هالةُ.
- هالة؟
- لا.
- طيب هي قالت لك رايحة فين؟
- لا.
- إنتِ متأكدة؟
جاء الردُّ بعد لحظةٍ:
- مريم ما كانتش بتقول لي كل حاجة.
كانت تلك أوّلَ مرةٍ تكذب فيها هالةُ على أُمِّ مريمَ. ولأن الكذبةَ كانت قصيرةً جدًّا، بدت في أذنها كأنها صرخةٌ.
ــــــــــــــــــ
لم تكن مريمُ تَعرِفُ كم مضى من الوقت. كانت في غرفةٍ صغيرةٍ بلا نوافذَ. لم تكن مربوطةً. ولم يكن أحدٌ يُهدِّدُها. وهذا ما جعل الأمرَ أسوأ. كان الرجلُ الجالسُ أمامَها يتصرفُ كأنّ وجودَها في الغرفة أمرٌ طبيعيٌّ. قال:
- إنتِ فاكرة إننا خطفناكي؟
نظرتْ إليه.
- أمال أنا هنا ليه؟
ابتسم.
- عشان نعرف إنتِ وصلتي لفين.
- في إيه؟
- في الدفتر.
سكتت.
- الدفتر معاكِ؟
لم تُجِبْ. قال:
- إحنا مش مهتمين بالدفتر نفسه.
اقترب قليلًا.
- إحنا مهتمين بمين أخده.
رفعتْ مريمُ عينَيْها إليه.
- يعني إيه؟
- يعني إن اللي في الدفتر مش كل اللي يهمنا.
ثم وضع أمامَها هاتفًا. شغّل تسجيلًا. جاء صوتُ هالةَ:
- أنا كنت فاكرة إن سامح بيجمع البيانات عشان...
توقف التسجيل. أغلق الهاتف. قال الرجل:
- هالة قالت لك حاجة؟
لم تُجِبْ.
- كريم قال لك حاجة؟
تغيَّرَ وجهُها. لاحظ الرجلُ ذلك.
- يبقى كريم وصل لك.
ــــــــــــــــ
وفي قسم الشرطة، لم تبدأ القضية باختفاءِ مريمَ. بدأتْ بورقةٍ. الحارسُ أخرَجَها بعد ثلاثِ ساعاتٍ من وصولِ أُمِّ مريمَ. قرأ الضابطُ الجُمْلةَ:
«لو سألت الشرطة، قول لهم: إن مريم خرجت الساعة سبعة وعشرة».
رفع عينيه.
- مين كتبها؟
- معرفش.
- وإنت أخدتها ليه؟
هز الحارسُ كتفيه.
- خفت.
- خفت من إيه؟
نظر الرجلُ إلى الأرض.
- من اللي كتبها.
احتفظ الضابطُ بالورقةِ. وفي اليومِ نفسِه، ظهرت هالةُ في القسم. لم تكن الشرطةُ قد طلبَتْها. دخلتْ وحدَها. جلستْ أمامَ الضابطِ. وضعتْ هاتفَها على المكتب.
- أنا عايزة أقول كل حاجة.
رفع الضابطُ عينيه إليها.
- كل حاجة عن إيه؟
- عن مريم.
- ابدئي من الأول.
قالت:
- الأول مش هو اللي فاكرينه.
ــــــــــــ
كانت هالةُ قد عرَفت سامحًا قبل أن تَعرِفَ مريمَ.
كان يأتي إلى الجمعية بحجة التبرّع، ثم بدأ يسألُ عن الملفات. في البداية، لم ترَ هالةُ في ذلك شيئًا غريبًا. ثم بدأ يعرضُ عليها المالَ. ثم بدأ يطلبُ منها صُوَرًا لبعضِ الأوراقِ. ثم أضاف أسماءً إلى قائمةٍ كان يحتفظُ بها. وحين سألَتْهُ ذاتَ مرّةٍ عن الغرَض من تلك القوائمِ، قال لها:
- الناس اللي ما عندهاش حد بيحميها، أي حد يقدر يستخدمها.
لم تفهَمْ. أو أقنعتْ نفسَها بأنها لم تفهَمْ. ثم اكتشفتْ أنّ بعضَ النساءِ اللاتي سألنَ الجمعية عن أوراقهنّ تعرّضنَ لاحقًا للابتزاز. واحدةٌ اختفت من الحي. وأخرى تركتْ عمَلَها. وثالثةٌ أغلقت هاتفَها، وغادرت المدينةَ. لكن هالة لم تبلغ الشرطة. لأنّ سامحًا كان يملك تسجيلًا لها وهي تُسلِّمُه أحد الملفات. وكان يستطيع أن يجعلها متهمة بدلًا من شاهدة.
قال الضابط:
- يعني إنتِ اللي بعتِ لها الرسالةَ؟
أومأتْ.
- نعم.
- ليه؟
لم تُجِبْ.
- هالة، مريم راحت فين؟
أغمضتْ عينَيْها.
- معرفش.
ضرب الضابطُ بيدِهِ على المكتب.
- إنتِ جاية تقولي كل حاجة وبعدين تقولي: معرفش؟
قالت:
- أنا عارفة مين كان مستنيها.
- مين؟
رفعتْ رأسَها.
- لكني مش عارفة مين أخدها.
ثم سألها:
- وكريم؟
تغيَّرَ وجهُها.
- كريم كان يعرف إن مريم هتروح.
- وإنتِ؟
- كنت فاكرة إني هكون هناك.
- لكنك ما كنتيش.
- اتمنعت.
- مين منعك؟
رفعتْ عينَيْها.
- كريم.
ـــــــــــــــــ
في الغرفةِ الصغيرةِ، فتح الباب ودخل كريم. نظر إلى الرجلِ. ثم إلى مريمَ. قال:
- الدفتر الأول خرج من مكانه.
رفع الرجلُ رأسَهُ.
- إزاي؟
- اسأل الحارس.
تبادلا نظرةً سريعةً. كانت قصيرةً، لكنها لم تخفَ على مريمَ. قال الرجل:
- مين قال لك؟
- مش مهم.
اقترب كريمٌ من مريمَ.
- إنتِ سلّمتي الدفتر لمين؟
لم تُجِبْ.
- مريم، اسمعي. لو الدفتر خرج من المبنى، كل واحد فينا هيبقى عارف إن التاني ممكن يقع.
قال الرجل:
- خدها.
أمسك كريمٌ بذراعِها. وفي اللحظةِ نفسِها، رنَّ هاتفُ الرجل. نظر إلى الشاشة. تغيَّرَ وجهُه.
- الحارس.
فتح المكالمة. لم يرد أحد. جاء صوت تشويش فقط. ثم انقطع. نظر الرجلُ إلى كريمٍ.
- هو عارف.
كان ذلك كافيًا لإشغالهما. التفت كريمٌ نحوَ الرجلِ. وفي اللحظةِ التي اختلفا فيها حول ما يجب فِعْلُهُ، تراجعتْ مريمُ إلى البابِ. لم يكن مُغلَقًا. خرجتْ. سَمِعتْ صُرَاخًا خلفَها. لم تلتفت.
ـــــــــــــــ
وبعد ساعاتٍ، كانت الشرطةُ قد وصلتْ إلى المبنى الذي احتُجزت فيه مريمُ. وجدوا الغرفةَ فارغةً. ووجدوا جهازَ تسجيل. وملفات. وأجهزةَ هواتفَ. ودفترًا ثانيًا. أما مريمُ، فلم تكن هناك. لكنها كانت قد خرجتْ بالدفترِ الأوّلِ.
ــــــــــــــــــ
في الدفتر الثاني، لم تكن هناك أسماءُ الضحايا. كانت هناك أسماءُ المشاركين. وأمامَ كُلِّ اسمٍ ملاحظةٌ. بعضها يدل على المال. وبعضها على الخوف. وبعضها على الديون. وبعضها على أشياءَ لا عَلاقة لها بالمال أصلًا.
كان واضحًا أن الشبكة لم تكن قائمةً على اتفاق واحد. كل شخصٍ فيها كان مربوطًا بالآخَرِ بشيء مختلف؛ ولهذا استمرت. لا لأن الجميع أرادوا الشيءَ نفسَهُ. بل لأن كلَّ واحدٍ منهم كان يخشى أن يكون أوّلَ مَن يتكلّمُ.
وفي آخِرِ صفحةٍ، وجد الضابطُ اسمًا واحدًا تحتَهُ خَطٌّ: الحارس.
ــــــــــــــــــ
وفي الليلةِ الثالثةِ، تلقى الضابطُ اتصالًا. صوت امرأة.
- أنا مريم.
وقف في مكانه.
- إنتِ فين؟
- مش هقدر أقول.
- هل أنتِ مصابة؟
- لا.
- هل حد معاكي؟
صمتت.
- مريم؟
قالت:
- أنا اكتشفت حاجة أهم.
- إيه؟
- الست اللي بدأت الحكاية كلها...
- أم مين؟
- صاحبة الظرف.
سكت الضابطُ.
- مالها؟
جاءَهُ صوتُ مريمَ:
- هي مش بتدور على بنتها.
- أمال بتدور على إيه؟
- بتدور على الدفتر الأول.
ثم انقطع الاتصالُ.
ـــــــــــــــــ
كانت مريمُ تمشي في شارعٍ جانبيٍّ بعيدٍ عن المبنى. أخرجت الدفترَ من حقيبَتِها. قلبت الصفحات. توقفت عند الصُّوَرِ الثلاثِ التي كانت في ظرف المرأة. كانت إحداها لفتاةٍ شابّةٍ. وخلف الصُّورةِ، بخط اليد نفسه الموجود في آخر صفحة من الدفتر، كانت هناك كلمة واحدة: «مِفْتاح». أعادت مريمُ الصورةَ إلى مكانها. المرأة لم تكن تبحث عن ابنتِها وحدَها. كانت تَعرِفُ شيئًا عن الدفتر. وربما كانت تَعرِفُ أكثَرَ مِمّا قالتْ.
ـــــــــــــــــ
في تلك اللحظة، كانت أُمُّ مريمَ جالسةً أمام نافذةِ البيتِ. لم تكن تَعرِفُ أن ابنتَها اتصلتْ بالشرطة. ولم تكن تَعرِفُ أن هالةَ بدأتْ تعترفُ. ولم تكن تَعرِفُ أن المدينةَ التي تبدو هادئةً من الخارج تُخفي تحتَها شبكةً من: المصالح، والخوف، والصمت. كلُّ ما كانت تَعرِفُهُ هو أن مريمَ لم تعُدْ إلى البيتِ.
وضعت كوبَ الشاي أمامَها. لم تشرَبْهُ. ثم سَمِعت مِفْتاحًا يدورُ في البابِ. رفعتْ رأسَها. دخلتْ مريمُ. وقفت الأُمُّ. لم تتحركْ. ولم تسأَلْهَا أين كانت. ولم تسألْهَا مَن أخذها. ولم تسألْهَا لماذا لم تتصلْ. كلُّ ما فعلَتْهُ أنها اقتربتْ منها. وضمَّتْها.
بَقِيتْ مريمُ ساكنةً بين ذراعَيْها. ثم قالت:
- ماما...
- نعم؟
- أنا كنت فاكرة إن الشر بيبدأ لما حد يعمل حاجة وحشة.
ابتعدت الأُمُّ قليلًا لتنظُرَ في وجهِها.
- وطلع إيه؟
قالت مريمُ:
- بيبدأ قبلها.
سكتت.
- بيبدأ لمّا واحد يشوف حاجة غلط ويسكت.
ثم أضافت:
- ولمّا واحد يعرف ويقول: ماليش دعوة.
جلست الأُمُّ على الكرسي. وجلست مريمُ أمامَها. ولأول مرّةٍ منذ ثلاثةِ أيّامٍ، شعرتْ أن البَيْتَ قد عادَ بَيْتًا. لكنها كانت تَعرِفُ أن الحكاية لم تنتهِ.
في جيبِ معطَفِها، كان هناك الدفترُ الأول. وفي آخِرِ صفحاتِهِ اسم واحد لم تره الشرطةُ بعدُ: الحارس.
ـــــــــــــــ
في السابعةِ إلا عشر دقائق من مساء اليوم التالي، عاد الحارسُ إلى الطابقِ الثالثِ. وقف أمام الغرفة رقْم سبعة عشر. كان المِصْباحُ الأخيرُ مُضاءً. دخل. وجد على الطاولةِ ظرفًا أبيضَ. فتَحَهُ. لم يكن بداخله مالٌ. ولا تهديد. ولا صورة. كانت ورقة واحدة فقط. كتب عليها:
«المرة دي... دورك تتكلم».
نظر الحارسُ إلى الممر. ثم إلى الباب. ثم أخرج هاتفه. ظل أصبُعُهُ فوق رقْم الشرطة طويلًا. وفي اللحظة التي قرر فيها الاتصالَ، انطفأ المِصْباحُ. لم يهربْ. رفع الهاتفَ. وضغط زِرَّ الاتصالِ. ومن خلفِهِ، في الظلامِ، جاء صوتُ امرأة:
- أخيرًا.
توقف الحارسُ. لم يحاول أن يَعرِفَ مَن صاحبةُ الصوت. ولم يسأَلْهَا كيف دخلتْ. رفع الهاتفَ إلى أذنه. وظل صامتًا. ثم قال:
- أنا هقول كل حاجة.
ولأول مرّةٍ منذ سنواتٍ، لم يكن يخشى أن يفتح الباب. كان يخشى أن يظل مُغلَقًا.

23 مشاهدة