أسقف وملك، وشعب
أسقف وملك، وشعب
في مطلع القرن السابع عشر، كانت أوروبّا تكتوي على جمر حرب دامية، اشتعلت على إثرها القارّة كلّها تقريبًا، فيما عُرِفَ "بحرب الثلاثين عامًا"، التي بدأت صراعًا دينيًّا بين الكاثوليك والبروتستانت. ولأنّ الساسة -بما يشهد به التاريخ- يستغلّون مختلَف أنواع الصراعات، ويوجّهونها صوب مصالحهم؛ فقد كانت سيطرة الدول على بعضها هي هدف المرحلة الثانية من الحرب. فرنسا الكاثوليكيّة -أيقونة الحريّة المعاصرة- انضمّت إلى البروتستانت لإضعاف سطوة النمسا! أمّا إنجلترا الأنجليكيّة -بقيادة الملك جيمس الأول- فقد التزمت الحياد. وهل يصح الحياد حين يقتتل الأهل والحلفاء! أحد الأطراف البروتستانت هو زوج أخت جيمس، والأطراف الأخرى موزّعة ما بين صديق، وحليف، وراعٍ للمصالح. أدركت إنجلترا أنّ الحياد مستحيل، فحاولت الصلح بين الأطراف، بالزواج، زفاف ولي العهد -تشارلز الأول- إلى ابنة أخت الأرشيدوق فريديناند الثاني -الامبراطور الروماني المقدّس- صاحب أعلى سلطة دينيّة كاثوليكيّة. قوبل هذا الزواج بالرفض من الداخل والخارج، كان تشارلز كافرًا من وجهة نظر العروس! ولم يتردّد البرلمان الإنجليزي في مناقشة هذا الزواج علنًا، ورفضه. ما اعتبره الملك تدخّلًا سافرًا في الشؤون الخاصّة للأسرة الحاكمة يستوجب حل البرلمان حتّى إشعار آخر، وهو ما كان عام 1622.
لم تنقضِ السنوات الثلاثة التالية حتّى مات جيمس، وخلفه تشارلز، والحروب الضروسة قائمة تحيط بالمملكة. لم تشارك إنجلترا بالحرب بشكل حقيقي، لكنّها تأثّرت بها، لم تكن مستقرّة تمامًا من الداخل، كيف يستقر مَن يحيط به الموت من كل الاتجاهات! فرض الملك تشارلز إجراءات صارمة على المواطنين، وأيّده الأسقف وليم لاود كبير أساقفة كانتبري -أهم سلطة دينيّة في إنجلترا- ما أثار استياء البرلمان الجديد، الذي طالب بالمزيد من الحريّات. سئم الملك من ضغط البرلمان، ففعل كما فعل أبوه من قبل، حلّه عام 1629، ولكن هذه المرّة لأحد عشر عامًا. بقي الوضع على حاله حتى انتفض الأسكتلنديّون -وكانوا خاضعين لنفوذ مملكة إنجلترا في ذلك الوقت- ولم يهدأوا إلّا ببرلمان جديد، والوعود بالمزيد من الحريّات الدينيّة والاجتماعيّة.
انعقد البرلمان الجديد شرسًا ثائرًا منتقمًا من أركان الدولة الأقوياء. حاكَم في فورته حلفاء تشارلز: النبيل (الإيرل) توماس ونتوورث -نائب لورد إيرلندا- والأسقف وليم لاود، وأعدمهما عامي 1641، و1645. ثم اندلعت الحرب الأهليّة في إنجلترا، وقادها البرلمان ضد الملك والكنيسة الذَيْن انفردا لسنوات بالحكم، وقيّدا حقوق البروتستانت، وأتباع البيوريتانيّة. وعلى إثر الحرب عُزِل الملك عام 1645، وسلّمه الأسكتلنديون إلى البرلمان في العام التالي. أصدر البرلمان حكمًا بإعدام الملك تشارلز الأول، ونُفّذ الحكم عام 1649. وضعت الحرب الأهلية أوزارها بعد عامين. سقطت الكنيسة، ومعها الرقابة الاجتماعيّة والفكريّة، واستفز المناخ الملتهب الفلاسفة لينتجوا أعمالهم التي انصبّت على التنظير حول مفهوم الدولة. فإنجلترا ضائعة حائرة في هويّتها الجديدة، تحتاج مرشدًا يقودها إلى الاستقرار. ومَن غير الفلاسفة والمفكّرين أهلٌ لهذا! كان توماس هوبز وجون لوك أهم هؤلاء الفلاسفة، الذين سعوا إلى تشكيل إنجلترا جديدة.
أنبأ إشعياء بني إسرائيل أنّ الإله سيقتل الوحش البحري الجبّار لفياثان -أو لوياثان: "فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يُعَاقِبُ الرَّبُّ بِسَيْفِهِ الْقَاسِي الْعَظِيمِ الشَّدِيدِ لَوِيَاثَانَ، الْحَيَّةَ الْهَارِبَةَ. لَوِيَاثَانَ الْحَيَّةَ الْمُتَحَوِّيَةَ، وَيَقْتُلُ التِّنِّينَ الَّذِي فِي الْبَحْرِ." لكنّ توماس هوبز أراد إحياءه من جديد لمّا رأى أنّ الشعوب لا تستقيم أمورها إلا إذا كانت الدولة نفسها لفياثان. هذا ببساطة ملخّص كتابه الذي حمل الاسم نفسه.
مثلَ ديكارت، في نفس عصره، كان هوبز يبحث عن ماهيّة الإنسان، وعلى العكس منه لم يقتنع بثنائيّة العقل والجسد، بل رأى أنّ الإنسان ليس إلا مادّة، يأتمر بأمر قوانين الحركة الفيزيائيّة، شأنه في ذلك شأن أي "شيء" في هذه الطبيعة. وهذا الإنسان في حالته الطبيعيّة عنيف ومليء بالخوف. من أجل هذا يمتلئ المجتمع بالحرب، ويسعى كل فرد فيه إلى تدمير الآخر. هذه الحالة المريعة تستوجب بناء دولة ديكتاتوريّة تشبه ذلك الوحش الكبير الذي يسيطر على تلك الرغبات الإنسانيّة الصغيرة، ويحكمها. هوبز أيضًا مقتنعٌ أنّ العقل مادّي، مثل الجسم، له كتلة وكثافة وحجم، فإذا شئنا فهم وظائفه -كالخيال والوعي- نسأل فيزيائيًّا عنها. لم يكن بعيدًا عن ذلك الفكر المادّي الذي يمتلكه هوبز أن يصوّر الحريّة على أنّها انعدام القهر المادّي، ويستوي في ذلك العاقل وغير العاقل. إذا حجزنا الماء في الآنية، يصبح مقيّدًا، وحين نطلقه في النهر، يتحرّك بقوانين الكثافة النسبيّة، والمد والجزر، ودوران الأرض. الإنسان مثل الماء، إذا قيّدنا حركته -بالسجن مثلًا- يفقد حريّته، وإذا تركناه في الطبيعة، يصبح حرًا يسير بقوانينها.
هل الإنسان حر إذًا؟ أم مقيّد بقوانين الحركة؟ الإنسان حر بعد أن تزول عنه العوائق الخارجيّة للحركة، لكنّ الحتميّة الطبيعيّة توجّه حريّته. مهلًا! ينبغي ألّا ننسى "الضرورة"، صحيح أنّ الإنسان حر، يستطيع ألّا يدفع ديونه مثلًا، ولكن الضرورة تقتضي أن يدفع أو يعاقَب، رضوخًا لقوانين الدولة، وحمايةً للمجتمع، كما تقتضي سريان الماء في الجداول لتتوازن الطبيعة. هذه الدولة بسلطتها المدنية وقوانينها المطلقة وعقدها الاجتماعي هي اللفياثان الذي ابتغاه هوبز. على الضرورة السياسيّة المتمثّلة بسلطة الدولة أن تقيّد الإنسان الحر المقيّد بقوانين الطبيعة.
أمّا جون لوك، فقد رأى الدولة كما أرادها البرلمان. وإذا سألتَ عن لوك في ميدان الحريّة، ستأتيك الإجابة بأنّه الرائد الأهم لليبراليّة. يكفيك أن تعلم أنّ أفكاره كانت أهم منبع استقى منه "إعلان الاستقلال الأمريكي" مبادئه عام 1776. بعد محاولات خجلة لرفض سلطة الكنيسة على الدولة، جاء لوك وأعلن صراحة دعوته إلى دولة مدنيّة، تنفصل فيها الكنيسة عن الحياة العامّة، وتستمد شرعيّتها من الشعب. لوك، الفيلسوف الحسّي الذي آمن بقدرة الحواس على الوصول للمعرفة المطلقة، نبذ ما لا تستطيع الحواس إدراكه، وأنكر وجود آراء فطريّة تولد مع الإنسان. لم يكن عجيبًا إذًا أن يطالب بتحييد الأفكار الدينيّة، لما تحمله من الكثير من الغيبيّات غير المحسوسة، والتي لا يستطيع العقل التعاطي معها. الحريّة بالنسبة إليه هي امتلاك القوّة أو القدرة على الاختيار والمفاضلة. وهو ما يستطيعه الإنسان، وما لا ينبغي للدولة أن تقيّده.
آراء لوك في الحريّة -خصوصًا السياسيّة منها- تشبه المفهوم المعاصر للحريّة. وأريد أن أعيد الإشارة إلى جملة سبق ذكرُها، وهي أنّ أفكار لوك عن الدولة كانت المرجع الأول لتوماس جفرسون حين وضع بنود إعلان الاستقلال الأمريكي. ماذا يعني هذا في ظل هيمنة أمريكا المعاصرة على كل شيء؟ يعني أنّ مفهوم لوك عن الحرية هو المفهوم الذي تمتلئ به القواميس المعاصرة، وتحتفي به الأكاديميا باعتباره واحدًا، لم يأتِ غيره، ووحيدًا بين المختصّين. إنّ شأن مفهوم الحرية شأن غيره من المفاهيم التي يتبنّاها القوي، ويقف الضعيف أمامها مذهولًا، يتحسّر على تخلّفه، ويظنّ أنّ نهضته وتطوّره لا تأتيان إلّا بنسخهما وتعميمهما على الناس. يجدر بنا قبل أن نغادر هذه الصفحة من تاريخ أوروبّا أن نرى المنظور الآخر من الصراع، ونحاول الإجابة على أسئلة من نوع: ماذا سيحصل لو كان جيفرسون -أو آلة صنع القرار الأمريكيّة- معجبًا بهوبز بدلًا من لوك؟ هل كنّا سنرى مفهومًا آخر للحريّة يستقر في أذهان الناس حول العالم؟
فصل من كتابي "على عتبات الوهم الفاتنة: فصول عن الحريات الفردية والاجتماعية والسياسية"، الصادر عن دار المعارف/ القاهرة، 2022

1 مشاركة33 مشاهدة