
مقال دقيقتان للقراءة
محاكمة القلب
" حين يتحول الصدر إلى قاعة محكمة ... صراع درامي يفكك الذات البشرية بين الإتهام والندم، وينبش في كواليس الخيبة التي تخلفها الكلمات العابرة "
المشهد الثانى : وثيقة الأغلال
كانت النفس تقف على هامش الانهيار، تشاهد باستسلامٍ فاجع لحظة سقوط القلب بين يدي الكلمة العابرة. رأته وهو يخلع وقاره ويخرّ صريعاً تحت سحر نبرتها الدافئة، عاجزةً عن ردم الفجوة بين لهفته العمياء وحذرها الذليل. لم تكن تملك سوى أن ترتعد، وهي تدرك أن تلك اللحظة بالذات هي فاتحة الجحيم، وأن محاولاتها المستميتة لدفعه إلى الخلف قد ذهبت جفاءً أمام طغيان العاطفة. كان رعبها ينبثق من سجنٍ تشكلت أركانه في المحاكمة الأخيرة؛ يوم وقعت رغماً عنها على "وثيقة المراقبة". كانت تلك الوثيقة طوق إدانة، ينص بندها القاسي على أن النفس هي المكفول والحارس، وأن أي انزلاق جديد للمضغة الضعيفة سيجعل من النفس شريكاً أصيلاً في الجرم، يُسحب إلى المنصة ذاتها، ويُقيد بأغلال من العزلة الأبدية، ليُحرم حتى من حق الشكوى. وفي محاولة يائسة لتبرئة ساحتها أمام الجلادين، وقفت النفس تستحضر آرشيف الندوب الصارخ، علّ صدى الفجائع يشهد أنها لم تفرّط في الحراسة: تذكرت تلك التي دخلت الصدر يوماً تهمس بلكنة الوعد: "أنت ملاذي الوحيد"، حتى إذا استدفأت بأمنه وأزاحت عنه عناء الحذر، ألقته في منتصف الطريق كشحاذٍ يتكفف اللحظات، ورحلت دون التفات. وتذكرت الأخرى التي أدعت القحط والشغف لرؤياه، فلما أتاها كلياً وشبعت من وجوده، تولت مدبرة، وتركته يقتات على عبير الغياب المسموم، يطارد صدى خطواطها في فراغ لا ينتهي. لكن القلب لم يكن يستمع؛ كان يعاني سكرته، مخدوعاً بالأمل، معذباً تحت سطوة الكلمة التي نفذت إلى أعماقه كسمٍ بطيء. وقف يتخبط في سحره المؤقت، بين لهفة الظمآن وخشية الانكشاف، متجاهلاً أن هذا الدفء ليس سوى احتراق خفي. وعلى مسافة غير بعيدة، في عتمة الصدر، كان العقل والروح يتربصان في صمتٍ مريب. لم يتدخلا بعد، بل وقفا كقاضيين يرقبان أثر المخدر وهو يتلاشى. كانا ينتظران بفارغ الصبر لحظة انطفاء سحر الكلمة، وتوقف نبضها المزيف، ليتعرى الجرح وتظهر الندوب الحقيقية على جدار القلب... وحينها فقط، يُفتح باب القاعة، وتبدأ مراسم المحاكمة
