
مقال 5 دقائق للقراءة
ماذا لو استيقظنا غدًا بلا ماضٍ؟
مقال بعنوان..... بقلم / أحمد عزيز الدين أحمد ـــــــــــــــــــــ،
في صباحٍ لا يختلف في ظاهره عن أي صباح، استيقظت المدينة مبكرًا. فتحت المحال أبوابها، تحركت السيارات في الشوارع، ارتفعت أصوات الباعة، وذهب الأطفال إلى مدارسهم، ومضى الموظفون إلى أعمالهم. كل شيء كان في مكانه، إلا شيء واحد لم ينتبه إليه أحد في البداية: لم يعد أحد يتذكر شيئًا من حياته. كان الرجل يعرف اسمه، لكنه لا يتذكر من اختاره له. يعرف عنوان بيته، لكنه لا يعرف متى سكنه. يعرف أن المرأة التي تقف أمامه زوجته، لكنه لا يستطيع أن يستعيد اللحظة التي أحبها فيها. يعرف أن الطفل الذي يمسك بيده ابنه، لكنه لا يتذكر أول مرة حمله فيها. لم تختفِ المعلومات؛ اختفت الذكريات. والأغرب أن المدينة لم تنهَر. لم تحدث الفوضى التي توقعها البعض. لم يتوقف العمل، ولم تتعطل المصانع، ولم تُغلق المدارس. بل بدا كل شيء أكثر هدوءًا. اختفت خصومات قديمة لأن أصحابها نسوا أسبابها، وتوقفت عائلات عن التنازع على ميراث لأن الجميع نسوا من بدأ الخلاف، ومرّ أشخاص كانوا لا يطيقون بعضهم بعضًا بجوار بعضهم دون أن يشعروا بالكراهية. للحظة، بدا الأمر وكأن النسيان قد يكون نعمة. لكن شيئًا غريبًا بدأ يحدث. جلس الناس أمام صورهم القديمة، ولم يجدوا أنفسهم فيها. كانت الصور تقول لهم: «هذا أنت»، بينما كانت أرواحهم تسأل: «كيف أتأكد؟» رأى رجل صورة لأمه وهي تحتضنه طفلًا، فأحس بشيء يتحرك في داخله، لكنه لم يعرف إن كان ذلك حنينًا أم مجرد استجابة لصورة جميلة. وجدت امرأة رسالة حب قديمة بخط يدها، قرأتها مرات، ثم قالت: «يبدو أنني كنت أحب هذا الإنسان كثيرًا.» ثم صمتت قليلًا وأضافت: «لكنني لا أتذكر كيف كان الحب.» وهنا بدأت المدينة تفهم أن الإنسان لا يعيش بما يعرفه فقط، بل بما يتذكر أنه عاشه. نحن لا نحمل الماضي خلفنا كما نحمل حقيبة يمكن أن نضعها جانبًا متى شئنا. الماضي يسكن في تفاصيلنا الصغيرة: في خوفٍ لا نعرف مصدره، وفي أغنية تجعل القلب يرتجف دون سبب واضح، وفي رائحة خبز تعيدنا فجأة إلى بيت قديم، وفي شارع نمر به فنشعر أننا التقينا أنفسنا هناك منذ زمن بعيد. ربما لهذا لا تكون الذاكرة مجرد مستودع للأحداث، بل أحد الأسماء الخفية للهوية. فنحن لا نقول فقط: «أنا أحمد لأن هذا اسمي»، أو «أنا فلان لأن هذه مهنتي»، وإنما نقول في أعماقنا: أنا هذا الإنسان لأنني عشت تلك الأشياء. ولهذا فإن فقدان الذاكرة ليس فقدانًا للماضي وحده؛ إنه سؤال عن الحاضر نفسه. من أكون إذا لم أتذكر الأخطاء التي صنعت نضجي؟ من أكون إذا نسيت الوجوه التي علمتني معنى الوفاء؟ من أكون إذا لم أتذكر من خذلني، ومن وقف إلى جواري، ومن مدّ يده إليّ عندما كنت أتعثر؟ لكن المسألة لا تنتهي هنا. فإذا كانت الذاكرة تمنحنا هويتنا، فلماذا نتمنى أحيانًا أن ننسى؟ لماذا نتمنى لو نستطيع حذف بعض الوجوه من داخلنا؟ لماذا نشتاق إلى صباح لا يحمل أسماء الذين أوجعونا؟ لماذا يبدو النسيان، في بعض لحظات الألم، كأنه باب للخلاص؟ ربما لأن الإنسان لا يريد أن يمحو ماضيه كله؛ إنه يريد فقط أن يتوقف الماضي عن امتلاك حاضره. وهنا تظهر المفارقة الجميلة: نحن بحاجة إلى الذاكرة كي نعرف من نحن، وبحاجة إلى النسيان كي نستطيع الاستمرار. فالذاكرة التي تحفظ التجربة تمنحنا الحكمة، لكن الذاكرة التي تتحول إلى سجن تمنعنا من الحياة. ولعل النضج الحقيقي ليس أن نتذكر كل شيء، ولا أن ننسى كل شيء، وإنما أن نتعلم كيف نحمل ما حدث لنا دون أن نسمح له بأن يحدد كل ما سيحدث لنا. تخيلوا لو أن تلك المدينة استمرت سنوات بلا ماضٍ. جيل يولد دون أن يرث حكايات الذين سبقوه. لا أحد يعرف لماذا سُمّي شارع باسم شهيد، ولا لماذا تقف شجرة عجوز في منتصف الساحة، ولا لماذا تحتفظ امرأة بمفتاح صدئ داخل صندوق خشبي. تختفي الحكايات شيئًا فشيئًا. ثم يصبح كل شيء جديدًا. وربما هنا تكمن الكارثة الحقيقية. فالإنسان الذي يفقد ذاكرته الشخصية قد يستطيع أن يبدأ من جديد، لكن المجتمع الذي يفقد ذاكرته الجماعية يصبح معرضًا لأن يعيد أخطاءه دون أن يعرف أنها أخطاء سبق أن ارتكبها. نحن نحتاج إلى ذاكرة لا لكي نبقى أسرى للماضي، بل لكي لا نكرر ما دفعنا ثمنه من أعمارنا. ومع ذلك، تظل هناك ذاكرة أكثر غموضًا من كل ما سبق: ذاكرة القلب. تلك التي لا تحفظ الأحداث كما وقعت، وإنما تحفظ أثرها. قد تنسى ماذا قال لك شخص ما قبل عشرين عامًا، لكنك لا تنسى أنك كنت تشعر بالأمان بقربه. وقد تنسى تفاصيل بيت طفولتك، لكنك تتذكر دفء النافذة في مساء شتوي. وقد لا تستطيع استعادة وجه إنسان أحببته، لكنك تعرف أن جزءًا منك أصبح مختلفًا بعد رحيله. كأن الذاكرة لا تقول لنا دائمًا: «هذا ما حدث»، بل تقول أحيانًا: «هذا ما تركه ما حدث فيك.» ولهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل نستطيع أن نعيش بلا ماضٍ؟ بل: هل نستطيع أن نعيش دون أن نفهم ماضينا؟ قد نستطيع. لكننا سنظل نتحرك داخل حياتنا مثل شخص يسير في بيت مظلم يعرف أماكن الأثاث، لكنه لا يعرف من وضعه هناك. أما الإنسان الذي يصادق ماضيه، فيستطيع أن ينظر إليه دون أن يعبده، وأن يتذكر دون أن يتحول إلى أسير، وأن ينسى دون أن يخون نفسه. ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يستيقظ ذات صباح بلا ماضٍ، وإنما أن يستيقظ ذات صباح وقد تصالح مع ماضيه. أن ينظر إلى أخطائه فلا يكره نفسه. وأن يتذكر الذين رحلوا دون أن يتوقف عن الحياة. وأن يحمل ندوبه باعتبارها صفحات من كتابه، لا أحكامًا نهائية على بقية فصوله. لذلك، لو استيقظنا غدًا بلا ماضٍ، فقد نكتشف أننا خسرنا أكثر مما كنا نظن. وقد نكتشف أيضًا أننا نحمل في ذاكرتنا أشياء لم نكن بحاجة إلى حملها. لكن السؤال الذي سيبقى مفتوحًا أمام كل واحد منا هو: لو مُنحتَ فرصة أن تحذف ذكرى واحدة فقط من حياتك، فهل ستحذفها حقًا؟ أم أنك ستخشى أن تحذف معها جزءًا من الإنسان الذي أصبحتَه اليوم؟
بقلم / احمد عزيز الدين احمد كاتب وروائي وشاعر
