
مقال 3 دقائق للقراءة
رسائل_بعلم_الوصول
إلى .. «صديقي الذي لا أعرفه ، وصاحبي الذي لا آلفه» يا من دعوتني لأبث أسراري، وأكشف لك عن مكنون أخباري ؛ اعلم أن الروح إذا نطقت لم تبغِ غير الحق بديلاً ، ولها الضمير في مسلكها دليلا ، وإذا سال حبرها لم يجد عن نور الملكوت مقيلاً .. أبث إليك نجواي ، وأرسل لك شكواي ، فهل تراني بعد ذاك رضيت ، ومن الجراح شفيت ، أم سوف تنكأ جرحي عند البواح ، كما قلت قبلاً لكل الملاح ، فلا وجدت معيناً ، ولا منصتاً أميناً ، فهل لي أراك عنهم تختلف ، لأن الروح بروحك تأتلف .. فهات القام لكي أعترف ..
أما دنياي : فإنها تلك المضلة لي إن بها سلكت ، والمخلة بي إن بها وثقت ، اسمع روحي ، تبكي جروحي ، وتنادى إذا حل الدجى ، ترجو السلامة والنجا ...! عجباً لوجهك يا زمــــان فإنه يبدي صفاءاً والضمين ضباب
فآآآآآه على عمر يدانيه الردى يرويه من كأس البـلاء عذاب
ولذا .. فلقد عزمت ألا أراها إلا مَطِيَّةً للآخرة ، وقطرة في بحار الوجود الزاخرة ؛ مطيةً أمتطيها كجواد أُسابق به زمني ، وأطوي به الأنات من شجني ، حتى أصل به إلى سلام أرتجيه ، وأمان أستقيه ، حيث لا نَصَب ولا وَصَبٌ ، ولا انقضاء للأرب.
أما الطمـــــوح فذاك قلبي هائماً يرجو الهدى قـبل الهـــوى ببيانه
عكف الزمان يجوب عنه مسلحاً بلوازم الفرســـان في ركبــــانه
أملاً يصول بذا الوجـــود مرابطاً ويجـــول في الأفلاك فوق عنانه
فإنه رِضْوَانُ الله عليّ في السر والعلن ، وأن يسترني حتى إذا أُدرجت في الكفن ؛ ثم الحبيب ودربه ، وأن يلحقنى ربي بنسبه ، ويحققني بحسبه..وأعرفه معرفة أسلم بها من موارد الجهل ، وأغرف بها من موارد الفضل .
وأما عن خطاياي وتوبتي: فالسؤال مخيف ، والرب لطيف ، عبد أثقلته الأوزار ، وأحاطت به الأخطار ، يعطيني وأشكر سواه ، يرضيني وأسخط هداه ، يغنيني وأسأل غيره ، يكفيني وأكفر خيره .. عبد أنا مهما اتقيت فإنني لأثيم ، غير أن الظن بالمولى عميم، ما جفاني بعد بعد ، ما قلاني دون سعد ، إليه وإلا لا تشد الركائب، ومنه وإلا فالمؤمل خائب .. لكن لأنه الله لا خوف ولا قلق ، ولا اضطراب ولا هم ولا ألق .
ولذا فوصيتي يا صاحبي .....
كل الآمــال بغيــر ربك واهيــة لا ترج خيراً من عبيـــد أو مدد
لا تطلبـــــــن من الذليـــل معزة أو من خسيس نخوة لا لن تجد
فالكل يهــرب والحقيــــــقة إنما الله يبقىٰ حيـــــــن لا يبقىٰ أحد
وأما الحب: فليس الغرام الزائل ، ولا الهيام القاتل ، لأن قلبي فيه يحيا ، وهو يحيا بالدوام ، دام نواراً فوق نور ، وهو سكرى والمُدام .. وهو لي .. شعاع من نور القدس ، يبث فى الروح الحياة ، وفيض من فضل الأنس ، وعدتي عند النجاة .. به أصبر على نار الفقد ، وأكوى جراح الوجد ، وأقرب ظلال البعد ، وأغالب قمة المجد .. وهو لي .. كظلي :
كالشمس للأكوان في كشف الدجى كالبدر .. في ظُلَمٍ يكـــــــــون دليلا
لا أبتغي في الكــــــــون ثمة حاجة إلاه .. ما لي عـــن ســــواه بديــــلاً
وأما عن رحلتي مع الوعي: فهاتيك روحي أعرج بها من تراب الحس إلى صفاء النفس ، وأخرج بها من ظلمات الخنس إلى نور الشمس ؛ أتروى حتى أرى العدل في كل مقدور ، والفضيلة نبتاً بين الصدور .. أعاهدها على طرق النور ، وترك الزور ، فتارة تجيب وتارات تخيب ، فإن النفس إن أمرت بسوء ، تجد لوامة عد الدقائق ، عشت بالقهر .. والقهر في شرع الرجال محرم ، منه استعاذ من الورى أرباب ، ما بال نفس تستقيه على الظما ، فيكون من بعد العذاب عقاب ...ما وهنت ما ركنت بل ...
قارعتُ نفسي في الهوى فتبَرَّمَتْ عن طاعتي ورمـــــتْ بكلِّ مغالبِ
حتى إذا أعيا الزمــــــانُ عزيمتي واستسلمَ الوجـــدانُ بينَ جوانبي
أيقنتُ أنَّ الحبَّ .. خيــــــرُ مطيَّةٍ ووسيلةُ الرضـــوانِ أعظمُ صاحبِ
فسلكتُ دربَ العاشقيـــنَ بمهجتي والحـــــقُّ إنْ أعطى فليسَ بسالبِ
كلمات: محمود توغان #مجتمع #أدب
