
مقال 13 دقيقة للقراءة
فجوات التجسيد الدرامي .. النافذة التي لا تطل على شيء
سلسلة مقالات نقدية في فجوات التجسيد الدرامي
القصة: النافذة التي لا تطل على شيء. الكاتب: أحمد عزيز الدين أحمد - مصر. الموضوع: سأطبّق الخوارزمية خاصتي على النص كما هو، من الداخل، وأفصل بين فجوة التجسيد والخلل السببي أو المنطقي والإخبار المشروع. ولن أقترح أية إضافة أو إعادة صياغة أو حل تنفيذي. * * * أولًا: استخراج الخط الدرامي المركزي. نقطة البداية: رجل عجوز يدخل غرفته كل صباح عند السادسة، ويفتح «نافذة» غير موجودة ماديًّا، بينما يُراقِبُه الجيران، ويعدّون سلوكَهُ علامةً على فقدان العقل. الحاجة الأساسية: النص يُثبِتُ لاحقًا أن العجوز يحتاج إلى استمرار صلته بمن فقدهم، وأن فتح النافذة هو وسيلته للحفاظ على الذاكرة. القوة المواجهة: الفقد والموت والزمن الذي يهدد بتحويل الأَحِبّة الراحلين إلى غياب كامل. الصراع المركزي: ليس صراعًا خارجيًّا بين شخصين، وإنما هو صراع حول الاحتفاظ بالصلة بالمفقود من خلال الذاكرة في مواجهة الرحيل والنسيان. الخسارة: وفاة زوجة العجوز، ثم موت الأم بالنسبة إلى الصبي، ثم في المستوى الأخير فقدان العجوز نفسه. التحول: الصبي يبدأ مراقبًا لسلوك العجوز، ومشككًا في تفسير الآخرين له، ثم يكتشف أن «النافذة» مرتبطة بالذاكرة. وفي النهاية، يرث فعل فتحها، فتنتقل الذاكرةُ من العجوز إليه. الصراع بعد التحول: يتحول الصبي من متلقٍّ لذاكرة العجوز إلى حاملٍ لها. النتيجة النهائية: العجوز يتوقف عن فتح النافذة، ثم يُصبِحُ الصبي هو مَن يفتَحُها كل صباح، ويسمع صوت العجوز بدلًا من صوت أُمِّه. التجربة الإنسانية التي يريد النص إيصالها: القصة تجعل الذاكرةَ وسيلةً لاستمرار حضور مَن رحلُوا، وتبني انتقالَ هذا الدور من العجوز إلى الصبي. وهذا هو الخط الدرامي الذي يُمكِنُ إثباتُهُ من المادة الموجودة، دون إضافةِ دوافعَ أو حقائقَ من خارج النص. ثانيًا: ماذا ينبغي أن يراه المتلقي؟ بحسب الخوارزمية، لا يكفي أن نعرف أن العجوز «يعيش على الذاكرة»، بل يجب فحص ما إذا كان النص يجعلنا نرى هذه الحقيقة وهي تتكوّنُ من خلال الحدث. وهذا تحديدًا هو جوهر الفرق بين الحقيقة الدرامية والمادة السردية والوسيط الدرامي في الخوارزمية. وهنا، نجد أن النص بالفعل يجعل المتلقيَ يرى أشياء مهمة: العجوز يكرر فتح النافذة كل صباح. هناك ستارة وهمية ومصراعان يتعامل معهما جسديًّا. آثار أصابع كثيرة موجودة على الحائط. الصبي يلمس الحائط. صوت أُمِّه الميتة يأتيه منه. العجوز يظهر ويكشف له معنى النافذة. العجوز يواصل مخاطبة زوجته عبرها. وفي النهاية، تنتقل ممارسة فتح النافذة إلى الصبي. إذن، فليست القصةُ قائمةً على الإخبار المُجرَّد وحدَهُ. فهناك مادة تجسيدية حقيقية تحمل الخطَّ الدرامي. ولكن الفحص لا يتوقف هنا. ثالثًا: سجل التتبع التشخيصي. وسأعرض فيه المواضعَ التي يترتّبُ عليها حكم، مع ربط كل حكم بالحقيقة الدرامية والوظيفة وبنود الخوارزمية، كما تشترط الخوارزمية نفسها. 1. افتتاحية النافذة... «لم تكن في الغرفة نافذة، ومع ذلك كان الرجل العجوز يفتحها كل صباح». العنصر المفحوص: السلوك المتكرر للعجوز. الحقيقة الدرامية: وجود علاقة غير عادية بين العجوز و«النافذة» غير الموجودة. ما يُقدِّمُهُ النص فعلًا: لا يكتفي النص بالقول: إن العجوز يتوهم نافذة؛ بل يريه وهو يزيح الستارة، ويمُدُّ يديه كمن يدفع مصراعين. الوظيفة: تأسيس اللغز، وإقامة السلوك الذي ستدور حوله القصة. الحكم: الوظيفة متحققة. وهذا مثال واضح على أن الإخبار الافتتاحي نفسَهُ لا يُمثِّلُ فجوةً؛ لأن المادة التي تليه تحول المعلومة إلى سلوك قابل للرؤية. 2. مراقبة الجيران للعجوز... «كان الجيران يُراقِبُونه من خلف الأبواب؛ يقول أحدهم: «لقد فقد عقله»، ويرد آخر: «الوحدة تفعل أكثَرَ من ذلك». الحقيقة الدرامية: سلوك العجوز يبدو للآخرين غيرَ مفهومٍ، وهناك تفسيرٌ اجتماعي له. ما يُقدِّمُهُ النص: موقف ومقولات مباشرة من الجيران، لا مجرد تقرير عن حكمهم. الوظيفة: تثبيت القراءة الظاهرة لسلوك العجوز قبل الكشف عن حقيقته، وزيادة الغموض. الحكم: الوظيفة متحققة. والأهم هو أن النص لا يطلب من المتلقي أن يُصدِّقَ حكمَ الجيران؛ بل يستخدمه بوصفه منظورًا داخل القصة. 3. الصبي لا يقتنع... «أما الصبي الصغير الذي يسكن في الطابق المقابل، فلم يقتنع». الحقيقة الدرامية: الصبي هو الشخصية التي ستنتقل من المراقبة إلى الاكتشاف. ما يُقدِّمُهُ النص: إخبار مباشر عن موقفه. السؤال الخوارزمي: هل هذه صفة تحتاج إلى تجسيد مستقل؟ في السياق الحالي، الجُمْلة تؤدي وظيفة انتقالية وتمهيدية، ثم يأتي فعل الصبي مباشرة: «انتظر حتى خرج العجوز لشراء الخبز، ثم تسلل إلى شقته». إذن، فلا توجد هنا فجوة مستقلة؛ لأن النص لا يترك «عدم اقتناعه» معلومةً مُعلَّقةً، بل يُحوّله فورًا إلى فِعْل. الحكم: الوظيفة متحققة. 4. دخول الصبي إلى الغرفة... «كانت الغرفةُ خاليةً إلا من ساعة متوقفة عند السادسة». وهذا التفصيل يؤدي وظيفتين:
- يربط المكان بالوقت الذي يتكرر فيه فعل فتح النافذة.
- يخلق عنصرًا ماديًّا ثابتًا داخل الغرفة.
الحكم: الوظيفة متحققة. ولا يوجد ما يُثبِتُ أن الساعة تحتاج إلى تفسير إضافي داخل الخط الدرامي في صورَتِها الحاليةِ. 5. آثار الأصابع على الحائط... «كانت تمتد عليه، كأنّ أحدًا ظل يلمَسُهُ لسنوات». هذه من أهم الوسائط الدرامية في القصة. الحقيقة الدرامية: «النافذة» ليست مجرد وهم لفظي عند العجوز؛ فهناك أثَرٌ مادي مرتبط بمكانها. ما يراه المتلقي: آثار أصابع فعلية على الحائط. الوظيفة: تحويل الغموض من سلوك نفسي محتمل إلى لُغز له أثَرٌ محسوس. الحكم: الوظيفة متحققة بقُوّة. وهنا تحديدًا، نجح النصُّ في نقل فكرة الذاكرة من مستوى القولِ، إلى مستوى الأثَرِ الماديِّ. 6. صوت الأم... «فإذا بصوت أُمِّه يأتيه واضحًا: «لا تنس معطفك يا بني». الحقيقة الدرامية: الصبي نفسه يُصبِحُ داخل تجربة الفقد التي كان يُراقِبُها من الخارج. ما يُقدِّمُهُ النص: ليس إخبارًا بأن الصبيَّ يفتقد أُمَّهُ؛ بل تَجرِبة سمعيّة مفاجئة مرتبطة بالحائط. ثم تأتي المعلومة: «كانت أُمُّه قد ماتت منذ ثلاث سنوات». وهنا الإخبار يؤدي وظيفة تثبيت العَلاقة بين: الصوتِ، والميتةِ. الحكم: الوظيفة متحققة. بل إن هذا الموضع ينقُلُ الصراعَ من «هل العجوز فقد عقله؟» إلى «ما طبيعة هذه النافذة؟» من خلال تَجرِبة الصبي نفسه. 7. لحظة مواجهة العجوز... «جاءه صوت آخَرُ من خلفه: لا تخف». ثم: «كان صوت العجوز». ثم يدخل العجوز ويقول: «عرفت الآن لماذا أفتحها؟». وهذه لحظة مواجهة واكتشاف. الحقيقة الدرامية: الصبي لم يعد مراقبًا من الخارج؛ أصبح داخل السر. ما يُقدِّمُهُ النص: مواجهة مباشرة بين الشخصيتين، يليها كشفٌ. الحكم: الوظيفة متحققة. 8. جملة «هذه ليست نافذة يا بني. هذه ذاكرة»... هنا يظهر أول موضع مركزي يجب فحصه وَفْق بندي الصُّوَر والجُمَل الحكمية، وكذلك اختبار «هل اكتشف المتلقي المعنى أم أخبره به الراوي أو الشخصية الدرامية؟». الخوارزمية لا ترفض الجُمْلة الحكمية لمجرد كونِها تفسيرًا؛ وإنما تسأل: هل كان البناء قد قاد إلى النتيجة، أم قفز إليها مباشرةً. ما الذي سبق الجملة؟ سبقها: سلوك متكرر. حائط. آثار أصابع. صوت الأم الميتة. تَجرِبة حسية عاشها الصبي. إذن، فالمعنى لم يظهر من العدم عند الجُمْلة التفسيرية. فالمتلقي كان قد أصبح أمام ظاهرة مرتبطة بالمفقودين والذاكرة قبل أن تُسمّى. لكن الجملة تقوم بوظيفة إضافية: تسمية الرمز وتفسيره تفسيرًا مباشرًا. ثم تأتي العبارة: «منذ ماتت زوجتي، اكتشفت أن الإنسان لا يفقد الذين يحبهم حين يرحلون، بل يفقدهم حين يتوقف عن تذكرهم». وهذه ليست مجرد تسمية للنافذة؛ إنها تصوغ الفكرة الإنسانية للقصة صراحةً. الحكم النقدي: لا يُمكِنُ إثباتُ أن هذه الجملة فجوة في التجسيد لمجرد كونِها تفسيرًا؛ لأن البنود 22 و25 و26 تمنع اعتبار كل تفسير نقصًا. لكن يُمكِنُ إثباتُ أن جُزءًا من العمل الدرامي الذي كان البناء السابق قد بدأ يجعل المتلقيَ يستنتجه، ينتقل هنا إلى مستوى القول المباشر. إذن، فالتشخيص الأدق ليس: «الجُمْلة خطأ؛ لأنها تشرح». بل: يوجد هنا انتقالٌ من التجسيد إلى التصريح بالفكرة، لكنّ النصَّ كان قد أَسَّسَ للفكرة تجسيديًّا قبل التصريح بها؛ ولذلك لا تصلح هذه الجُمْلة وحدها دليلًا على فجوةٍ تجسيديةٍ كاملةٍ. وهذا حكم مُقيَّدٌ بالمادَّةِ الموجودةِ، لا بالذوق. 9. «أحيانًا» و«تقول لي الشيء نفسه كل يوم»... «وهل تسمع زوجتك من هنا؟»... «أحيانًا». ثم: «تقول لي الشيء نفسه كل يوم». وهذه المنطقة تحتاج إلى فحصٍ من زاوية التراكم. فالعجوز لا يكتفي بتفسير الماضي؛ بل يُثبِتُ أن فتح النافذة ممارسةٌ مستمرة، وأن لها مضمونًا متكررًا. ثم يكشف: «لا تتأخر عن البيت». الوظيفة: إعطاء العَلاقة مع الزوجة مضمونًا حسيًّا بسيطًا بدل الاكتفاء بمفهوم «الذكرى». الحكم: متحققة. 10. السؤال عن إغلاق النافذة... «وهل ستظل تفتح النافذة إلى الأبد؟»... «لا»... «ومتى ستغلقها؟»... «عندما لا يعود أحد يحتاج إلى أن يتذكر». وهنا، يبدأ التحول المركزي. الحقيقة الدرامية: فتح النافذة ليس مجرد عادة؛ له نقطة نهاية مرتبطة باستمرار الذاكرة. لكن توجد ملاحظة تشخيصية: عبارة: «عندما لا يعود أحد يحتاج إلى أن يتذكر» تُعلِنُ قاعدة رمزية جديدة دون أن يكون النصُّ قد بيَّنَ داخِلَ الأحداثِ كيف يُمكِنُ تحديدُ لحظة انتهاء الحاجة إلى التذكّر. وأنا لا أستطيع، وَفْق الخوارزمية، أن أفترض معنًى غيرَ موجود، أو أن أُفَسِّرَ «أحد» تفسيرًا معينًا؛ ولذلك لا أُسَجِّلُ هذا كفجوة تجسيدية مكتملة، وإنما كـموضع دلالي غير محدد تمامًا داخل النص. وهذا مهم؛ لأن البند 14 يمنع اختراع الصفة أو النية أو الحقيقة لتفسيره. 11. صباح اليوم التالي... «في صباح اليوم التالي، لم يفتح العجوز النافذة». هذه جُمْلة إخبارية، لكنها تحمل تحولًا دراميًّا فعليًّا. وهنا، الإخبارُ لا يحتاج بالضرورة إلى تحويله إلى مشهد مستقل؛ لأن نتيجتَهُ واضحةٌ ومباشرة، ثم يُؤكِّدُها النص: «ولأول مرة منذ سنوات، بَقِيَت الستارة مسدلة». الوظيفة: إظهار تحقق القاعدة السابقة. الحكم: متحققة. 12. العثور على العجوز... «وجد العجوز جالسًا إلى جوار الحائط، هادئًا، وفنجان القهوة البارد بين يديه». هذا موضع قوي من ناحية التجسيد. فالنصُّ لا يقول فقط: إن العجوز «أنهى رحلتَهُ»، أو: «مات»، أو: «استسلم»، وإنما يقدم: الجلوس. الحائط. الهدوء. فنجان القهوة البارد. لكن هناك نقطةٌ يجب تسجيلُها بدقة شديدة: النص لا يقول: إن العجوز مات. فالصبي طرق الباب ولم يُجِبْهُ، ثم وجده جالسًا هادئًا، وبعد ذلك ينتقل مباشرةً إلى استمرار الصوت من الحائط. إذن، فلا يجوز للخوارزميةِ هنا أن تفترضَ الموتَ كحقيقة ثابتة لمجرد أن السياق قد يدفع المتلقيَ إلى ذلك. وهنا، يدخل بند التنبيه إلى المشكلات الأصلية، وهو: إذا كانت نتيجة النص تتطلّبُ معلومة غيرَ مُثبَتة، فلا يجوز أن نبنيَ عليها تفسيرًا. الحكم: يوجد غموضٌ في الحالة الفعلية للعجوز، وليس من المشروع تحويلُهُ نقديًّا إلى «موت» دون أن يَنُصَّ النصُّ عليه. 13. الجملة المكتوبة على الحائط... «افتحها لمن يأتي بعدي». هذه أهم قطعة في انتقال الخط الدرامي. الحقيقة الدرامية: العجوز يترك وظيفة الذاكرة لشخصٍ يأتي بعدَهُ. ما يُقدِّمُهُ النص: الجُمْلة نفسُها مكتوبة على الحائط، وليست مجرد إخبار من الراوي بأن العجوز أراد أن يورث الصبي ذاكرته. الوظيفة: تحويل الذاكرة من ممارسة فردية إلى إرث. الحكم: الوظيفة متحققة. 14. الصبي يفتح النافذة... «صار الصبي يدخل الغرفة كل صباح عند السادسة، يضع فنجانين من القهوة ثم يفتح النافذة». وهنا يحدُثُ التحول النهائي. فنطبق اختبار «ماذا رأى المتلقي؟»: رأى انتقال الفعل من العجوز إلى الصبي. رأى استمرار التوقيت. رأى استمرار القهوة. رأى فتح النافذة. ورأى أن الصبي أصبح حاملًا للممارسة. إذن، فالتحول ليس معلومةً مجردة؛ إنه مُجسَّدٌ بالفعل. والتكرار هنا ليس حشوًا؛ لأن الفعل نفسَهُ تغيَّرَ حامِلُه ووظيفَتُهُ. وهذا يتفق مباشرةً مع بند التكرار الذي يشترط فحصَ ما إذا كان التكرار يصنع تراكمًا أو تحولًا أو وزنًا لانكسارٍ لاحق. الحكم: متحقق. 15. الصوت الأخير... «لكن هذه المرة لم يكن الصوت الذي يأتي من خلف الحائط صوت امرأة ميتة، بل كان صوت العجوز يقول: «لا تتأخر عن البيت يا بني». وهذه الخاتمة تحمل إعادة تشكيل لما حدث سابقًا. ففي البداية، كان صوت الأم يقول للصبي: «لا تنسَ معطفك يا بني». وفي نهاية القصة، يُصبِحُ صوتُ العجوز يقول له: «لا تتأخر عن البيت يا بني». وهذا يجعل الصبيَّ ينتقل من موقع الابن الذي يستقبل ذاكرة أُمِّه، إلى موقع الشخص الذي يحمل ذاكرةَ العجوز. الوظيفة الدرامية: إغلاق دائرة انتقال الذاكرة. الحكم: الوظيفة متحققة. رابعًا: فحص البناء والسببية. هنا تظهر أهمُّ ملاحظة بنائية يُمكِنُ إثباتُها من النصِّ نفسِهِ. فالتسلسل الأساسي هو: العجوز يفتح النافذة، الصبي يشك، يدخل، يلمس الحائط، يسمع أُمَّهُ، العجوز يكشف المعنى، العجوز لا يفتح النافذة، الصبي يجده، يجد الرسالة، يتولى فتح النافذة، يسمع صوت العجوز. وهذا التسلسل متصل سببيًّا على مستوى الوظائف الأساسية. لكن توجد نقطة غير مكتملة الإثبات، وهي: ما السبب المحدد الذي جعل العجوزَ لا يفتح النافذة في صباح اليوم التالي؟ فلدَيْنا في الحوار: «متى ستغلقها؟»... «عندما لا يعود أحد يحتاج إلى أن يتذكر». ثم في اليوم التالي لا يفتحها. لكن القصة لا تقدم حدثًا سابقًا يُثبِتُ أن شرط «عدم احتياج أحد إلى التذكر» قد تحقَّقَ. وهذا ليس مجرد سؤال فضولي؛ لأنه يتعلّقُ ببوابة التحوُّلِ نفسِها؛ ولذلك فأُسَجِّلُها كفجوة سببية مُثبَتة من النصِّ: الحقيقة الدرامية: توقف العجوز عن فتح النافذة يُمثِّلُ تحولًا حاسمًا في الخط. والمادة الموجودة: الحوار يضع شرطًا لتوقُّفِهِ، ثم يقع التوقُّفُ في اليوم التالي. النقص: النصُّ لا يُقدِّمُ واقعة تُثبِتُ تحقُّقَ الشرط الذي حدَّدَهُ العجوزُ نفسُهُ. الأثر: الانتقال من ممارسة العجوز إلى وراثة الصبي لها لا يحصُلُ أمام المتلقي من خلال سبَبٍ درامي واضح، وإنما يحصُلُ بعد قفزة بين: الشرطِ المُعلَنِ، والنتيجةِ. الحكم: توجد هنا فجوة في المنطق السببي للتحوُّلِ النهائي. وهذا الحكم مستندٌ مباشرةً إلى بنود فحص السببية والانتقالات، وليس إلى افتراض ما كان «ينبغي» أن يحدُثَ. خامسًا: فحص الإيقاع والتراكم. التكرار في البداية: كل صباح، عند السادسة، القهوة، فتح النافذة، ليس تكرارًا زائدًا في ذاتِهِ؛ لأنه يؤسس عادة، ثم تتحول العادة في النهاية إلى إرث ينتقل إلى الصبي. وكذلك عودة القهوة في النهاية: «يضع فنجانين من القهوة» لها وظيفةٌ واضحةٌ؛ فهي تُوسِّعُ الفِعْلَ القديمَ بدل أن تكرره حرفيًّا. الحكم: لا توجد فجوة إيقاعية واضحة يُمكِنُ إثباتُها من النص. سادسًا: اختبار حذف المشاهد. لو حذفنا دخول الصبي إلى الشقة، سنفقد: آثار الأصابع. صوت الأُمّ. تَجرِبة الصبي الشخصية. انتقاله من المراقب إلى صاحب التجربة. إذن، فهذا الجزء يؤدي وظيفةً درامية حقيقية. ولو حذفنا مواجهة العجوز بالصبي، سنفقد الكشف عن معنى النافذة، وعَلاقة العجوز بها، والشرط المرتبط بإغلاقها. إذن، فلها وظيفة حقيقية. ولو حذفنا النهاية التي يتولى فيها الصبيُّ فتْحَ النافذة، سنفقد التحوُّلَ النهائي، وانتقال الذاكرة. إذن، فالنهاية ليست زائدةً. وهذا يتفق مع اختبار «ماذا لو حُذف المشهد؟» في الخوارزمية. سابعًا: اختبار «ماذا رأى المتلقي؟». إذا حذفنا الجُمَل التفسيريةَ المتعلقة بالذاكرة، يبقى لدينا: رجل يفتح نافذة غير موجودة. آثار أصابع على الحائط. صوت امرأة ميتة. عجوز يفتح الحائط بوصفه نافذة. ممارسة متكررة مرتبطة بالموتى. انتقال هذه الممارسة إلى الصبي. صوت العجوز في النهاية. إذن، فالمتلقي يستطيع أن يرى قَدْرًا كبيرًا من الحقيقة الدرامية من خلال ما يحدُثُ، وليس فقط لأنه أُخبر بها. وهذا يمنع الحكم العام بأن القصة «تُخبِرُ ولا تُجسِّدُ». لكن عند نقطة فلسفةِ الذاكرةِ نفسِها، يُضِيف النصُّ تفسيرًا مباشرًا: «الإنسان لا يفقد الذين يُحِبُّهُم حين يرحلون، بل يفقدهم حين يتوقف عن تذكُّرهم». وهذه الفكرة لها جذور في الأحداث السابقة واللاحقة، وليست معلومةً بلا سنَدٍ؛ ولذلك لا يُمكِنُ وصفُها بأنها قفزةٌ تفسيريةٌ خالصةٌ. ثامنًا: النتيجة النقدية النهائية. بعد تطبيق الخوارزمية كاملة، الفجوة الأساسية القابلة للإثبات ليست في أصل فكرة الذاكرة، ولا في انتقالها إلى الصبي؛ فكلاهما حاصلٌ على تجسيدٍ فعلي داخل القصة. وإنما الفجوة الأوضح هي: الفجوة السببية عند انتقال العجوز من فتح النافذة إلى إغلاقها؛ فالنص يُقرِّرُ أن العجوز سيُغلِقُ النافذة: «عندما لا يعود أحد يحتاج إلى أن يتذكر». ثم في الصباح التالي لا يفتحها، من غير أن يقدم داخل الأحداث ما يُثبِتُ تحقُّقَ الشرط الذي وضعَهُ بنفسِهِ. وهذه الفجوة تُؤثِّرُ تحديدًا في التحوُّلِ النهائي؛ لأن توقُّفَ العجوز هو البوابة التي تعبر منها القصةُ إلى وراثة الصبي للنافذة. أما باقي البناء المركزي، فالتجسيد فيه قائمٌ بدرجة واضحة: السلوك، واللغز، وآثار الأصابع، وصوت الأُمّ، والمواجهة، وانتقال الفعل إلى الصبي، والصوت الأخير، فكلها أفعال أو تجارب أو مواقف تحمل الحقيقةَ الدراميةَ، وليست مجرد معلوماتٍ عنها. الحكم النهائي وَفْق الاختبار الأخير للخوارزمية المتلقي يستطيع رؤية القصة الأساسية من خلال ما يحدث، وليس معرفتها فقط لأن الراويَ أخبره بها. لكن السبب الذي يُفسِّرُ التحوُّلَ من استمرار العجوز في فتح النافذة إلى توقُّفِهِ عنها غير مُتجسِّد وغير مُثبَت سببيًّا في النص. وهذا هو الحكم الذي يُمكِنُ تسجيلُه دون اختراع حدَث أو دافع أو معنى غير موجود في القصة، ودون الانتقال إلى اقتراح كيفية سد الفجوة، التزامًا بالبندين 143–148 والبندين 317–320 من الخوارزمية.
