
مقال دقيقتان للقراءة
هي...الدنيا وهي... الألم
هي... الدنيا وهي...الألم
رغمًا عني لن أحبك، لكنني سأحبك رغمًا عنك، فبعض الحب لا يستأذن القلب حين يدخل، ولا يخرج منه حين يُؤمر. يا ناكرَ المودة، وحافظَ الوفاء، كيف استطعت أن تجعل الغياب عادةً، والانتظار قدرًا، والصمت لغةً لا يفهمها إلا من أتعبه الزمن؟ ما زلتُ أدقّ بابك، لا لأنني أجهل أنه قد لا يُفتح، بل لأن بعض الأبواب لا نطرقها طلبًا للدخول، وإنما كي نطمئن أن ما خلفها ما زال منا ولنا. وما زلتُ أترقّب نافذة قلبك؛ تلك التي لم أعرف يومًا: أكانت موصدةً، أم أنني كنت أتوهم رؤية الضوء المتسرّب منها؟ أنتظر أن أسمع همسك، وأن أميّز وقع خطاك بين ضجيج العابرين؛ أترقّب التفاتةً لا تُلَمِّحُ لأمر، لكنها تكفي لتُبقي في الروح معنى الحياة. فأستدرجني بطمأنينة تحمل ألف عذرٍ محتمل، قد يشبه الحقيقة، أو يكون الحقيقة نفسها. لا يهم… المهم ألا نترك فسحةً للعتاب. ليس هذا غباءً ولا حماقةً؛ فالإنسان لا يختار دائمًا ما يسكنه. ثمة أشياء تستوطن أعماقنا قبل أن نعرف أسماءها، وتصبح جزءًا من نبضنا، حتى يغدو اقتلاعها أشبه بمحاولة انتزاع الروح من ظلّها. فلا لوم على من يسكن بين ثنايا الروح، ولا عتب على قلبٍ جعل من المستحيل مأوى، ومن الانتظار يقينًا، ومن الوفاء عهدًا لا تنقضه المسافات. هي… ومن هي؟ ذلك السؤال الذي لا جواب له، فكلما اقتربنا من إجابته، ابتعدت خطوة، كأن الحقيقة خُلقت لتُطلب، لا لتُمتلك. هي التي تأتيك في هيئة نجاة، ثم تتركك أمام نفسك أكثر غرقًا. هي التي تمنحك سببًا للابتسام، ثم تعلّمك كيف تخفي انكسارك خلفه. هي تلك المفارقة التي لا تستقيم إلا في القلب: أن نعرف الطريق إلى الرحيل، ثم نختار البقاء، وأن ندرك أن بعض الأبواب لن تُفتح، ومع ذلك نستمر في الطرق، وأن نعرف أن الانتظار يؤلم، ثم نخشى أن ينتهي، فالنهاية قد تعني الاعتراف طالما تهرّبنا منه. وربما لم يكن الوفاء أن نبقى، ولا الخلاص أن نرحل. ربما كان أن نفهم لماذا بقينا، ولماذا أحببنا، ولماذا ظلّ في داخلنا شيءٌ يرفض أن يتحول إلى رماد. هي… ومن هي؟ هي الدنيا حين ترتدي أحلامنا وجهًا، ثم تبدّل ملامحها دون أن تستأذن. وهي الألم حين يصبح مألوفًا إلى الحد الذي نخاف على أنفسنا من شفائه. هي الشيء الذي نطارده ونحن نعرف أنه لن يكتمل، ونتمسك به ونحن ندرك أنه لا يبقى، ونحبه، بل نعشقه، لأنه منح لحياتنا معنىً لم نستطع العثور عليه في مكان وزمان آخر. هي… الدنيا وهي… الألم.
بقلم قدوري عربية
