عتمة المنفى
”تتسم الأعمال الفنية بوحدة أبدية، وأقل ما يلامسها هو النقد، وحده الحب يمكنه إدراكها والحفاظ عليها ومعاملتها معاملة عادلة“
راينر ماريا ريلكه
عَتْمَةُ المَنْفَى
أَصِيْلٌ تَأَبَّى أَنْ يَبُوْحَ بِهَمِّهِ
وَخَيَّمَ فِيْ وَادِيْ الرَحِيْلِ بِحُلْمِهِ
وَعَالَجَ مِرْآةَ الطَبِيْعَةِ مُهْمِلًا
كَطِفْلٍ مَحَا سَيْلَ الزُكَامِ بِكُمِّهِ
وَيَوْمَ أَجَابَ النَّاسُ خَالِقَهَمْ ”بَلَى“
فَقَسَّمَ عَنْقُوْدَ الرَخَاءِ بِكَرْمِهِ
وَكَانَ بِسِرِّ الطِّيْنِ وَالمَّاءِ شَارِدًا
فَأَعْطَاهُ مَخْزُوْنَ الشَّقَاءِ بِتَمِّهِ
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيْ صُلْبِ آدَمَ نُطْفَةً
لِمَا فَارَقَ الفِرْدُوْسَ مِنْ بَعْدِ عِلْمِهِ
وَفَارَتْ نَوَاةُ الأَرْضِ كَاشِفَةَ الأَسَى
وَفِيْ ضِيْقِهَا تَسْعَى إِلَيْهِ لِضَمِّهِ
وَتَغْتَرِفُ المَعْنَى تِلَاوَةُ عَاشِقٍ
كَنَجْمٍ تَشَظَّى مِنْ كَثَافَةَ جُرْمِهِ
وَيَحْتَلُ فِيْهِ الحُبُّ كُلَّ جَزِيْرَةٍ
وَيَزْعَمُ أَنَّ الحَبَّ آخِرُ هَمِّهِ
وُيُوْقِظُ شّلَّالُ الأَظَافِرِ شَهْوَةً
تَمُجُّ عَلَى جُبِّ الخُلُوْدِ بِدَمِّهِ
وَقَدْ شَاهَدَ الكَوْنَ الفَسِيْحَ مَسَارِحًا
وَمَا عَافَ إِلَّا السَاهِرِيْنَ بِفِلْمْهِ
كَعِطْرٍ حَبِيْسٍ فِيْ زُجَاجَةَ خَوْفِهِ
تَفَجَّرَ يَنْبُوْعُ الجَمَالِ بِشَمِّهِ
تَرَاوِدُهُ الأَحْزَانُ فِيْ كُلِّ بَسْمَةٍ
تُؤَجِّلُ مِيْلَادَ المَلَاكَ لِعُقْمِهِ
وَتَمْسَكُ فِيْ الطَلْقِ الأَخِيْرِ بِنَخْلِهِ
لِيَشْهَدَ قِدِّيْسًا يُبَاهِيْ بِأُمِّهِ
وَيَهْرُبُ مِنْ مِتْرُوْ الحَدَاثَةِ بِالرُؤَى
كَمَا يَتَّقِيْ ذِئْبَ التُرَاثِ بِفَهْمِهِ
وَيَفْزَعُ مِنْ زَعْمِ الحَقِيْقَةِ مُرَّةٌ
وُيَبْصِقُ رُوْحًا مِنْ هَشَاشَةَ زَعْمِهِ
وَينْثُرُ مِنْ سَرْبِ الخَيَالِ سَوَاسِنًا
وَيَغْرَقُ فِيْ عُمْقِ المَجَازِ بِرَسْمِهِ
وَيَأْخُذُ قُرْآنَ الوُجُوْدِ مُؤَانِسًا
وَفيْ عَتْمَةَ المَنْفَى يَقُوْمُ بِخَتْمِهِ
زكريا المصري