إليك ولمن على شاكلتنا
إن الدراسات الأدبية التي ترتكز على الثنائية "الشكل والمضمون" لم تصل بنا لجسر الشعرية دعك من أن تقفز بنا إلى عمقها، وقد أخذت مدى كافي لتبلور التباين بين ما هو شعري وما دون ذلك ولم تفلح، ولو أخذت أضعاف هذا المدى لن تفلح، لأنها قدست الكون على المكون، والشعر خلق رؤيا لا بد من أن تصلها بخالق ولا انفكاك لها عنه، والذات الشاعرة ليست هامشا للنص الشعري بل متنه الأصلي بانفعالاتها وتوترها المؤاخي للمتضادات من السكون ما قبل جنون الإنعالات الإبداعية إلى السكون بعد تفريغ الشحن الإبداعي، والذي يجب أن تركز فيها الدراسات الأدبية لتصل للرؤى المنتجة للثنائية "الشكل والمضمون".
إذا أعتمدنا على المقدمة تسمح لنا بالكشف عن أغوار النص بتتبع الذات المبدعة، والتعرف على النص بصاحبه والعكس، فكل نص بصمة والبصمات لا تتشابه وإن كان حجم الأصابع واحد.
وبصمة الشاعر الكبير أبو الغائب عبد الدائم هي كلمة "أمة" بل تكاد تكون ذاته، فلا ذات له إلا من خلالها، في خطبه ويومياته ودردشاته… وقبل ذلك في إبداعه، فجل المبدعين الذين ألتقيتهم بل كلهم عبارة عن فرد داخل أمة له خط بيانه الشخصي يلتقي مع دالة هموم أمته في نقطة التماس، وهذا المعتاد فلا يطالب فرد أن يتردى أو يتخطى خطه، فيحدث إنفصام لا في الذات الشاعرة بل الإبداع، وانفصام الإبداع يلغيه، إلا عبد الدائم شذ عن هذه العادة، لأن خط بيانه هو هموم أمته... هو دالة أمته… هو أمة.
وبالتالي أنا مدرك لما تعنيه هذه "الأمة"، لم أطلقها عليه جزافا، ووصولي لهذه النتيجة بعد إرباك خطاباته المتسمة بها، وتَبَدِّيه فيها وقد تُبْديه من بُعْدٍ مغرورا متعالي لأنها تحمل صخرة هموم الأمة، نعم راودتني هذه الهواجس، ولكن قشعها إلتقائي بالشاعر في "فيا" وأجلى لي حقيقة همه، وعقد بذاتي الشعور بالذنب تجاهه، وما يشفع لتلك الهواجس الساذجة والصبيانية أنها خواطر، غيرت أسلوب ومسار تفكيري الذي أنتج هذه المقدمة كلبنة لمنهج رافض لتعالي الثنائية الناتجة على الذات المنتجة، والخلق على الخالق، وعلها تفسر قلة الرسائل المطروحة بيني وبينه.
أما اليوم تشجعت قليلا للبوح، ربما يطفي جمرة الخواطر، أو يقيم سدا أمام الرياح التي تذكيها، فأخرج من جحيمي لأغتسل "في وادي الأنبياء" ليس ولوجا من باب النقد إيمانا مني بأن النقد عملية ميكانيكية صادرة من العقل متجهة إلى اللغة والمعنى، وليس كلاهما شعرا، فلا اللغة الجميلة شعرا، ولا المعنى الشريف شعرا، فالشعرية حاسة سادسة كامنة في الإنسان، تمتاز بما تمتاز به الحواس الخمسة، إضافة إلى الكشف، إثارة الدهشة، شحن المفردة، هذه الكثافة والنبوة في الشعرية المرتسمة في خيال الشاعر، يحاول رسمها فيُخرج صورة لنص مقعد دون الكشف المتخيل وفوق اللغة المعتادة، بما يحمله من رؤيا مأنسنة أو نفسية أو طفرات إهتزازية جزئية أو كلية.
وغير الشاعر لا يدرك تلك المعاناة من التشنجات حتى وضع النص، ورغم إيماني العميق أن النقد لا يحيط بالشعر إلا أن الناقد الشاعر له مزية تقربه من توصيفه أنه عانى المخاض، غير الناقد المشاهد الذى رأى الجنين "النص" ولون عيونه وأطرافه ورأسه، ثم تحدث عن عملية الوضع، لا شك أنه متحدث في الغيبيات، ومن ذاق ورأى وأدرك لا كمن شاهد وظن أنه أدرك.
لكن سألج من باب التذوق لا استهانة به، ولكن لأن التذوق يصب في قالب المتذوق، ولا يمس الشاعر ولا يستعلي على النص، أو يفرض عليه منحنى مساره بإطلاقاته الحكمية.
إن "في وادي الأنبياء" على حسب المظنة بنات الأمسيات الشعرية وأخواتهن من جلسات المقيل، ودمدمات ما وراء النخل، وليس ما وراء الملتقيين وبينهما، فإن كان الظن صحيحا فقصائد تلك الفترة تمتاز بالطفرة في الوجدانيات والوطنيات والإغراق في الذاتية، وحديث السمراء غير بعيد، فهي بواكير، وقد تتحول فيما بعد من رؤية إلى رؤيا، ومن تفريغ للخارج إلى شحن للداخل، ومن صياغة الكل الفردية إلى صياغة الفرد الكلية، أما عن الجماليات والقميص الذي تتزيا به، فحديث سابق لآوانه لكنه بلا شك قميص يوسف، وقد يكون لنا بعد الإصدار صدور وبعد الري ورود، فحديث بغير سند حديث موضوع.
زكريا المصري

7 مشاهدة