مرآتك السوداء
مِرْآتُكَ السَّوْدَاءُ تَعْتَذِرُ
تُبْدِي لَنَا شَبَحًا وَتَنْكَسِرُ
قَدْ كَانَ يَرْقُصُ فِي مَرَابِعِهَا قَمَرٌ
تَأَلَّقَ وَجْهُهُ النَّظَرُ
كَمْ أَسْرَجَتْ بِعُيُونِهَا مُقَلٌ
وَارْتَاحَ فِي أَحْشَائِهَا صِغَرُ
اللَّيْلُ يَذْكُرُ فِي مَعَالِمِهَا
قِصَصًا يُفَصِّلُهَا وَيَخْتَصِرُ
ضَحِكَاتُ طِفْلٍ كُنْتَ تُرْسِلُهَا
تَطْوِي زَوَايَاهَا وَتَنْتَشِرُ
دَهَشَاتُ عَقْلٍ لَسْتَ تَفْهَمُهَا
تَقْفُوكَ نُورًا لَسْتَ تَسْتَتِرُ
لَوْحَاتُ حُسْنٍ كُنْتَ تَرْسُمُهَا
تَزْهُو بِهَا عَيْنٌ وَتَفْتَخِرُ
وَالضَّوْءُ يَعْكِسُ حَوْلَهَا مَلَكًا
يَبْدُو فَيَصْفُو سَطْحُهَا الْعَكِرُ
كُرْسِيُّكَ الْمُلْقَى بِجَانِبِهَا
وَالدَّفْتَرُ الْمَنْسِيُّ وَالصُّوَرُ
أَوْقَاتُكَ الْعَلْقَى بِذَاكِرَةٍ
لَفَّتْ يَدًا تَحْنُو وَتَعْتَصِرُ
وَالْآنَ تَبْكِي مُظْهِرًا شَحَبًا
عُكَّازُكَ الْمَرْعُوشُ وَالْكِبَرُ
وَالْخَدُّ آكَامٌ وَأَوْدِيَةٌ
وَالْعَيْنُ ثَكْلَى رَابَهَا الْبَصَرُ
أَنْفَاسُكَ الْبُرْكَانُ يُوقِدهَا
يُكْوَى بِهَا كَبِدٌ وَيَنْفَطِرُ
وَالْحُزْنُ مَخْبُوءٌ بِنَاصِيَةٍ
تَجْثُو عَلَى الشَّيْبِ الَّذِي تَزِرُ
وَلَدٌ قَفَا آثَارَ وَالِدِهِ
طَعْمُ الْأُبُوَّةِ كَيْفَ يَعْتَذِرُ؟
بِنْتٌ لَهَا بَعْلٌ يُؤْنِسُهَا
تُهْدِي لَهُ قَلْبًا وَتَفْتَخِرُ
وَالزَّوْجَةُ الشَّمْطَاءُ جَالِسَةٌ
يَحْيَا لَهَا شَغَفٌ وَيَنْتَحِرُ
مَاذَا تَبَقَّى مِنْ حَوَائِجِنَا؟
مَا هَكَذَا نُغْنَى وَنَفْتَقِرُ
يَبْدُو هُنَا شَالٌ وَمِسْبَحَةٌ
وَالْمُصْحَفُ الْمَطْوِيُّ يَنْتَظِرُ
وَالْحَرْفُ يَنْسُجُ فِي الْهُدَى كُلَّمَا
يُصْغِي لَهَا عَقْلٌ وَيَعْتَبِرُ
قَدْ فَرَّطَ الْخِلَّانُ فِي هَرَمٍ
كُلُّ الْبَرَايَا كَاذِبٌ أَشِرُ
وَاللَّهُ يَجْمَعُ يَوْمَهَا أُمَمًا
دَرَجَاتُهَا تَعْلُو وَتَنْحَدِرُ
مِرْآتُكَ السَّوْدَاءُ تَعْتَذِرُ
بَشَرٌا يَرَى فِي جَوْفِهَا بَشَرُ
مِرْآتُكَ السَّوْدَاءُ تَعْتَذِرُ
تَنْمُو بِهَا نَفْسٌ وَتَنْصَهِرُ