كفارة الغياب
■ كَفَّارَةُ الغِيَاب ■
صَلِّ للغِيابِ كَفَّارَتَهُ،
وأَقِمْ في مِحْرابِ الحَنِينِ
لَيْلًا...
فَلَيْلُ الغِيابِ
طَوِيلٌ...
وَلا يَنْجَلِي سَاهِرًا.
فما أَقْسَى الغِيابَ!
يَأْخُذُ مِنَّا الأَحِبَّةَ،
ثُمَّ يَأْخُذُ مِنَّا
مَا كُنَّا نَحْسَبُهُ لَنَا:
نَفَسًا مِنَ الرُّوحِ،
ونَبْضًا مِنَ القَلْبِ،
وجُزْءًا مِنَ العُمْرِ
يَبْقَى عَلَى دَرْبِ الحَنِينِ
مُسَافِرًا.
ويَمُرُّ اسْمُكِ
فِي غَفْلَةِ الحَاضِرِ،
فَيَرْتَجُّ صَدَى الأَيَّامِ
فِي صَدْرِي،
كَقَنْدِيلٍ عَلَّقَتْهُ الرِّيحُ
عَلَى حَافَّةِ الانْطِفَاءِ...
ويَلْتَفِتُ العُشْبُ اليَابِسُ
لِوَمْضَةِ مَطَرٍ،
كَأَنَّ فِي قَطْرَةٍ عَابِرَةٍ
سِرَّ الحَيَاةِ
حِينَ تَأْتِي مُتَأَخِّرَةً.
وفي شَوَارِعِ اليَاسَمِينِ،
مَا زَالَ عِطْرُكِ
يُرَبِّكُ خُطْوَتِي،
كَأَنَّ المَكَانَ
يَحْفَظُ خُطَاكِ،
ويَجْهَلُ أَنَّكِ
لِلْغِيابِ مُقِيمَةٌ...
ولِقَلْبِي
مَا زِلْتِ حَاضِرَةً،
كَمَا يَبْقَى العِطْرُ
فِي ثَوْبٍ غَادَرَتْهُ اليَدَانِ.
ولَعَلَّ الشَّوْقَ
لَيْسَ وَجَعًا...
بَلْ وُضُوءَ قَلْبٍ،
كُلَّمَا نَقَضَهُ الغِيابُ
تَيَمَّمَ بِالذِّكْرَى،
وأَقَامَ صَلَاتَهُ
فِي مِحْرَابِ الحَنِينِ...
خَاشِعًا،
مُنْكَسِرًا،
مُسْتَغْفِرًا
مِنْ ذَنْبِ النِّسْيَانِ.
فَإِنْ سَأَلُوكِ
عَنْ كَفَّارَةِ الغِيابِ،
فَقُولِي:
أَنْ يَبْقَى الحُبُّ طَاهِرًا
حِينَ يَتَنَاثَرُ اللِّقَاءُ،
وأَنْ تَبْقَى الذِّكْرَى
بَيْتًا لَا تَهْدِمُهُ المَسَافَاتُ،
ولا تُطْفِئُ نَوَافِذَهُ
رِيحُ الجَفَاءِ.
وأنْ يَبْقَى الدُّعَاءُ
آخِرَ مَا نَقُولُ،
وأَطْهَرَ مَا يَبْقَى
حِينَ يَصْمُتُ الكَلَامُ:
يَا الله...
إِنْ كَانَ فِي الغَيْبِ
لَنَا لِقَاءٌ،
فَاحْفَظْ لَنَا قَلْبَيْنِ
أَتْعَبَهُمَا الغِيَابُ،
وَلَمْ يُفْسِدْهُمَا الجَفَاءُ...
واجْمَعْهُمَا
يَوْمًا،
حَيْثُ لَا مَسَافَةَ،
وَلَا انْتِظَارَ،
وَلَا غِيَابَ.
: 02 اكتوبر 2026
: 18.00 مساء
■》عبد الحكيم الجزائري
