
مقال دقيقتان للقراءة
المظاهر … قناع المجتمع
المجتمع الذي نعيش فيه صار يُقدّس المظاهر أكثر مما يُقدّس الجوهر، فنطارد صورةً لامعة لأنفسنا، بينما الحقيقة خلفها شاحبة ومتعبة، نعيش كمن يرتدي قناعًا ليس وجهه
المجتمع الذي نعيش فيه صار يُقدّس المظاهر أكثر مما يُقدّس الجوهر، فنطارد صورةً لامعة لأنفسنا، بينما الحقيقة خلفها شاحبة ومتعبة، نعيش كمن يرتدي قناعًا ليس وجهه، ممثلًا عالقًا في مسرحية طويلة، فقط ليُرضي العيون التي تراقب. المظاهر تُغري لأنها سهلة كغلافٍ براق لهدية فارغة، أصبح أسهل أن نشتري هاتفًا غاليًا من أن نبني معرفة، وأسهل أن نلتقط ابتسامة مصطنعة من أن نخلق سعادة حقيقية، وأسهل أن نزيّن البيوت بالديكور من أن نملأها حبًا وسكينة.
لكن المظاهر قناعٌ هشّ، يسقط عند أول اختبار، كما يسقط الطلاء الرخيص مع أول قطرة مطر، فينكشف الصدأ تحته. يسقط حين تضيق الحياة، وحين يطالب الجوهر بحقه، ندرك أن الزينة لم تكن سوى طبقة لامعة تُخفي فراغًا واسعًا
الأخطر أن المظاهر تسرق منّا إنسانيتنا؛ تجعلنا نقيس قيمة الإنسان بما يملك لا بما يكون، ونختصر أحلامنا في ما يُعرض لا ما يُعاش، نصبح كأطفالٍ يتباهون بفقاعات صابون، تلمع للحظة ثم تتلاشى، فنعيش لأجل صورة… لا لأجل ذواتنا. وهنا يأتي السؤال: هل نعيش حقًا لأنفسنا، أم أننا مرايا تعكس ما يريد المجتمع أن يراه؟ وإلى أي حدّ يمكن للقناع أن يصير وجهًا، وللوهم أن يُقنع صاحبه بأنه الحقيقة؟
المظاهر قد تمنحنا قبولًا مؤقتًا في عيون الناس، لكنها لا تصنع احترامًا حقيقيًا ولا تبني علاقات راسخة، ما يبقى في النهاية هو ما نحمله من قيم، وما نزرعه من أثر في من حولنا، المجتمع الذي يقوم على قشرة لامعة سينهار مع أول أزمة، أما المجتمع الذي يعتني بجوهره فسيجد دائمًا ما يسنده وقت الشدائد. المظاهر، مهما تألّقت، ليست أكثر من واجهة زجاجية براقة لمبنى مهجور؛ تبدو جميلة من الخارج، لكنها لا تصمد أمام أول حجر يُلقى عليها.
المجتمع الذي يختبئ خلف المظاهر هو مجتمع خائف، يخاف أن يُرى على حقيقته، مثل بيوتٍ واجهاتها براقة لكن جدرانها متصدعة ومهترئة من الداخل، وما لم نكسر هذا القناع، سنظل نتبادل أوهامًا ملوّنة، كألعابٍ تتلألأ تحت الضوء ثم تُنسى، بينما الحقيقة تبقى في الداخل، وحيدة ومهمَلة. فهل نحن نعيش لنرى الحياة كما هي، أم لنرى انعكاسنا فيها؟ وهل القناع يحمينا أم يسرق منا وجودنا؟ وإلى أي حدّ يمكن للسطح أن يسرق منّا العمق، حتى نصبح غرباء عن ذواتنا؟
