
مقال 11 دقيقة للقراءة
تقطيعٌ عَرُوضي وقراءةٌ فنيةٌ ودلاليةٌ .. تعالَ معي
دع ما تقدمه من فن كتابي يدعوني لا أنت!
القصيدة: «تعالَ معي». الفئة: شعر التفعيلة. الشاعرة والفنانة التشكيلية: غادة البدوي – سورية. الموضوع: تقطيع عروضي، ورصد الإيقاع والتفعيلات والزحافات والعلل، مع قراءة فنية ودلالية.
* * *
تعالَ معي
البيت الأول: لِي مِنْ يَمِينِكَ طَعْنَةٌ... 1- لِيْ مِنْ يَمِيْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 2- نِكَطَعْ نَةٌ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. كَمْ ذا مَسَحْتُ نَزِيفَهَا لَمّا سَرَى... 3- كَمْ ذَا مَسَحْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 4- تُنَزِيْ فَهَاْ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 5- لَمْ مَاْ سَرَىْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. بِالمُتْعَبِ المَهْمُومِ نَحْوَ مَراكِبٍ... 6- بِلْ مُتْ عَبِلْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 7- مَهْ مُوْ مِنَحْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 8- وَمَرَاْ كِبٍ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. الوَهْمُ شَوَّهَ وَهْجَهَا وَبَرِيقَها... 9- أَلْ وَهْـ مُشَوْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 10- وَهَوَهْ جَهَاْ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 11- وَبَرِيْ قَهَاْ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. حِينًا تُعاكِسُها الرِّياحُ... وتارةً أُخْرَى يُسَرْبِلُها الضَّبَابُ... فلا يَعُودُ... ولا تَبِينْ. 12- حِيْ نًا تُعَاْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 13- كِسُهَرْ رِيَاْ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 14- حُـ/ـوَتَاْ رَةً: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 15- أُخْ رَىْ يُسَرْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 16- بِلُهَضْ ضَبَاْ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 17- بُـ/ـفَلَاْ يَعُوْ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 18- دُ/وَلَاْ تَبِيْنْ: مُتَفَاْعِلَاْنْ: مُذيَّلٌ.
البيت الثاني: لِي مِن جِراحِكَ غُصَّةٌ... 1- لِي مِن جِرا: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 2- حِكَغُصْ صَةٌ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. عَشِقَتْ حِبالَ الصَّوْتِ مُنْذُ يَفاعَتِي... 3- عَشِقَتْ حِبا: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 4- لَصْ صَوْ تِمُنْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 5- ذُيَفاعَتِي: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. وَاسْتَرْسَلَتْ فِي العِشْقِ حَتَّى آخِرِهْ... 6- وَسْ تَرْ سَلَتْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 7- فِلْ عِشْ قِحَتْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 8- تَى آ خِرِهْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. ما أَخْلَفَتْ عَهْدَ الهَوَى... 9- ما أَخْ لَفَتْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 10- عَهْ دَلْ هَوَى: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. سَوْداءُ ناصِعَةُ الجَبِينْ. 11- سَوْ دا ءُنا: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 12- صِعَةُلْ جَبِينْ: مُتَفَاْعِلَاْنْ: مُذيَّلٌ.
البيت الثالث: لِي وَرْدَتانِ عَلَى الغَمامِ... وَأَشْتَهِي نَيْلَ المُنَى... 1- لِي وَرْ دَتا: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 2- نِعَلَلْ غَما: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 3- مِـ/ـوَأَشْ تَهِي: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 4- نَيْ لَلْ مُنَى: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. وَأَعُودُ ظافِرَةً بِعِطْرِهِما... 5- وَأَعُو دُظا: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 6- فِرَةً بِعِطْ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 7- رِهِما/ . . . . . . . . . . . . بِكَفِّي الشَّمْسُ تَمْلَأُ بِالسَّنا رُوحِي... 7- . . ./ بِكَفْ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 8- فِشْ شَمْ سُتَمْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 9- لَأُبِسْ سَنا: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 10- رُو حِي/ . . . . . . . . . . . . وَيَسْقِي نَخْبَ مَنْ سَكَنَ الثَّرَى... 10- . . ./ وَيَسْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 11- قِيْ نَخْ بَمَنْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 12- سَكَنَثْ ثَرَى: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. دَنُّ الحَنِينْ. 13- دَنْ نُلْ حَنِينْ: مُتَفَاْعِلَاْنْ: مُذيَّلٌ.
البيت الرابع: لِي مِنْكَ أَلْفُ حِكايَةٍ... وَحِكايَةٌ ثَكْلَى... 1- لِي مِنْ كَأَلْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 2- فُحِكا يَةٍ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 3-وَحِكا يَةٌ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 4- ثَكْ لَى/ وَفَوْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. وَفَوْقَ فَمِي... 4- . . ./ وَفَوْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 5- قَفَمِي/ رَبِي: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. رَبِيعٌ يَسْأَلُ اللَّحَظاتِ بَهْجَتَها... 5- . . ./ رَبِي: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 6- عٌ يَسْ أَلُلْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 7- لَحَظا تِبَهْ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 8- جَتَها/ وَبَعْ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. وَبَعْضَ الأَخْضَرِ النّائِي... 8- . . ./ وَبَعْ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 9- ضَلْ أَخْ ضَرِنْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 10- نا ئِي/ عَلَى: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. عَلَى عَتَباتِ لُجَّتِها... 10- . . ./ عَلَى: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 11- عَتَبا تِلُجْ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 12- جَتِها/ غَرِي: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. غَرِيبٌ فِي شِعابِ الغَيْبِ... مِنْ رَجْعِ الصَّدَى غَنَّى... 12- . . ./ غَرِي: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 13- بٌ فِي شِعا: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 14- بِلْ غَيْ بِمِنْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 15- رَجْعِصْ صَدَى: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 16- غَنْ نَى/ مَوا: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. مَواوِيلاً تَجُرُّ الفَجْرَ للعُمْرِ الحَزِينْ. 16- . . ./ مَوا: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 17- وِي لاً تَجُرْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 18- رُلْ فَجْ رَلِلْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 19- عُمْ رِلْ حَزِينْ: مُتَفَاْعِلَاْنْ: مُذيَّلٌ.
البيت الخامس: مَهْلًا... 1- مَهْ لًا/ تَعا: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. تَعالَ مَعِي... 1- . . ./ تَعا: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 2- لَمَعِي/ هُنا: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. هُنالِكَ قَدْ يُباغِتُنا هَوًى فِي القاعِ مُخْتَزَنٌ... 2- . . ./ هُنا: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 3- لِكَقَدْ يُبا: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 4- غِتُنا هَوًى: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 5- فِلْ قا عِمُخْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 6- تَزنٌ/ وما: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. وما أَسْدَيْتَ مِنْ حُرَقٍ بِها وَجَعِي... 6- . . ./ وما: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 7- أَسْ دَيْ تَمِنْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 8- حُرَقٍ بِها: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 9- وَجَعِي/ تَعا: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. تَعالَ مَعِي... 9- . . ./ تَعا: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 10- لَمَعِي/ هُنا: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. هُنالِكَ قَدْ يَفِيضُ البَوْحُ فِي فَيْءِ اللِّقا... 10- . . ./ هُنا: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 11- لِكَقَدْ يَفِي: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 12- ضُلْ بَوْ حُفِي: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 13- فَيْ ءِلْ لِقا: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. جَدَلًا طَوِيلَ المَدِّ... أَوْ حِمَمًا تَفُورُ... تُثِيرُ فِي الأَعْماقِ بُرْكانًا دَفِينْ. 14- جَدَلًا طَوِي: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 15- لَلْ مَدْ دِأَوْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 16- حِمَمًا تَفُو: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 17-رُتُثِي رُفِلْ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 18- أَعْ ما قِبُرْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 19- كا نًا دَفِينْ: مُتَفَاْعِلَاْنْ: مُذيَّلٌ.
البيت السادس:مَهْلَا... تَعالَ مَعِي... 1- مَهْ لًا تَعا: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 2- لَمَعِي/ لِأَرْ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. لِأَرْفُوَ عُمْرِيَ الباقِي... 2- . . ./ لِأَرْ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 3- فُوَعُمْ رِيَلْ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 4- با قِي/ بِخِي: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. بِخِيطانِ المَدَى الصّافِي... 4- . . ./ بِخِي: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 5- طا نِلْ مَدَصْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 6- صا فِي/ بِلَهْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. بِلَهْوِ فَراشَةٍ حَيْرَى... 6- . . ./ بِلَهْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 7- وِفَرا شَةٍ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 8- حَيْ رَى/ بِضِحْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. بِضِحْكَةِ فُلَّةٍ خَجْلَى... 8- . . ./ بِضِحْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 9- كَةِفُلْ لَةٍ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 10- خَجْ لَى/ يُخا: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. يُخامِرُها ضِياءُ البَدْرِ... إنْ مالَتْ دَنا مِنْها... 10- . . ./ يُخا: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 11- مِرُهَضْ ضِيا: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 12- ءُلْ بَدْ رِإنْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 13- ما لَتْ دَنا: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 14- مِنْ ها/ وَقَبْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. وَقَبَّلَها... 14- . . ./ وَقَبْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 15- بَلَها/ وَرَصْ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. وَرَصَّعَ رَأْسَها العالِي بِطُهْرِ الياسَمِينْ. 15- . . ./ وَرَصْ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 16- صَعَرَأْ سَهلْ: مُتَفَاْعِلُنْ: سالمٌ. 17- عا لِي بِطُهْ: مُتْفَاْعِلُنْ: مُضمَرٌ. 18- رِلْ يا سَمِينْ: مُتَفَاْعِلَاْنْ: مُذيَّلٌ.
* * *
القصيدة في جوهرها ليست قصيدة تقول للحبيب ببساطة: «تعالَ معي». فهذه العبارة نفسها تتحول تدريجيًّا إلى دعوة للدخول في الذاكرة؛ في الجُرح، وفي الأشياء التي بَقِيت بعد الحب، وفي المسافة التي صنعها الزمن بين ما كان وما يُمكن أن يكون. من أول سطر: «لِي مِنْ يَمِينِكَ طَعْنَةٌ» تضع الشاعرة العَلاقة في مِنطقة غيرِ مألوفة. نحن لا ندخل من باب الغزَل، وإنما من باب الألَم. لكن الطعنة لا تُقدَّم بوصفها فعلًا انتهى؛ تقول بعدها: «كَمْ ذَا مَسَحْتُ نَزِيفَهَا لَمّا سَرَى» وهنا تحدُث المفارقة الأجمل: التي تلقت الطعنة هي نفسُها التي تمسح نزيفَها. كأن الحب عندها لم يكن مجرَّدَ عَلاقة بين اثنين، وإنما أصبح شيئًا تتولى هي وحدها رعايتَهُ حتى بعد أن أصابها. ثم تتسع الصورة: «بِالمُتْعَبِ المَهْمُومِ نَحْوَ مَراكِبٍ» ثم الرياح، والضباب، والوهج، والبريق. المراكب هنا لا تبدو مجرَّدَ صورة شعرية جميلة؛ إنها جزء من حركة القصيدة كُلِّها. هناك شيء يُريد أن يصل، لكن كل ما حوله يعمل على حجبه: الرِّيحُ تُعاكس، والضبابُ يُسربِلُ، والصورةُ لا تعود تَبِينُ؛ ولهذا فإن «ولا تبين» ليست مجرَّدَ نهاية صورة. إنها تلخيص مبكر لحالة القصيدة: المحبوبة ترى شيئًا كان واضحًا ثم صار محجوبًا بالزمن والوجَع والالتباس. في المقطع الثاني ينتقل الجُرح من «طعنةٍ» إلى «غُصّةٍ»: «لِي مِن جِراحِكَ غُصَّةٌ» ثم تأتي عبارةٌ شديدةُ الدلالة: «عَشِقَتْ حِبالَ الصَّوْتِ مُنْذُ يَفاعَتِي» هنا الحب لم يعُدْ مُتعلِّقًا بشخصٍ فقط؛ لقد أصبح مُتعلِّقًا بالصَّوْتِ نفْسِه. كأنّ الذاكرة العاطفيةَ أقدم من العَلاقة المحددة، وكأنّ صوت الآخر صار خيطًا تشبثت به الذاتُ منذ بداياتها. ثم: «وَاسْتَرْسَلَتْ فِي العِشْقِ حَتَّى آخِرِهْ» وبعدها: «ما أَخْلَفَتْ عَهْدَ الهَوَى» فتأتي «سوداء ناصعة الجبين» كصورة غريبة ومقصودة؛ لأنها تجمع النقيضين في صورة واحدة. السواد لا يُلغي النقاءَ، والنقاءُ لا يمحو السوادَ. وكأنّ التجربة كُلَّها صارت تحمل بياضها وسوادها في اللحظة نفْسِها. ثم تأتي «الوردتان على الغمام». وهنا يحدُث تحوُّلٌ واضحٌ. فبعد الطعنة والغُصّة والضباب، تبدأ القصيدة في استعادة عناصر الضوء: «وَأَشْتَهِي نَيْلَ المُنَى» «وَأَعُودُ ظافِرَةً بِعِطْرِهِما» ثم: «بِكَفِّي الشَّمْسُ تَمْلَأُ بِالسَّنا رُوحِي» هذه ليست مجرَّدَ صور متفائلة. إنها عملية ترميمٍ داخلية. كأنّ الشاعرةَ بدأت تجمع بقايا التجربة وتُحوِّلُها من جُرح إلى طاقةٍ للحياة. حتى الموتى يدخلون هنا: «وَيَسْقِي نَخْبَ مَنْ سَكَنَ الثَّرَى» وهذا يجعل الحنينَ أكبرَ من عَلاقةٍ عاطفيةٍ مباشرة. لقد صار الحنين مشتركًا بين الأحياء ومن سكن الثرى؛ صار أشبه بطقسٍ لاستدعاء ما غابَ. وفي المقطع الرابع تتكثَّفُ فكرة الذاكرة: «لِي مِنْكَ أَلْفُ حِكايَةٍ... وَحِكايَةٌ ثَكْلَى» هذه من أكثر العبارات التي تكشف طريقةَ بناءِ القصيدة؛ لأن «الألف حكاية» ليست هي النهاية. فهناك حكايةٌ ثَكْلى تَقِفُ وحدها فوق كل الحكايات. ثم: «رَبِيعٌ يَسْأَلُ اللَّحَظاتِ بَهْجَتَها» وهنا الزمن نفسه يُصبِحُ طرَفًا في العَلاقة. الرَّبِيع يسأل اللحظاتِ عن بهجتها، وكأنّ الماضيَ لم يعُد مجرَّدَ شيء تتذكره الشاعرةُ، بل عالَمًا تُحاول استنطاقَهُ واستعادةَ ما فقَدَهُ. ثم تصل القصيدة إلى: «غَرِيبٌ فِي شِعابِ الغَيْبِ» وهنا تنقلب الرحلة مرة أخرى. بعد كل محاولة الاستعادة، يظهر الغيب. وبعده الصدى: «مِنْ رَجْعِ الصَّدَى غَنَّى» ثم «المواويل» التي تجُرُّ الفجر إلى العمر الحزين. وهذه صورة مهمة جدًّا؛ لأن الفجر هنا لا يأتي وحدَهُ. الموّال هو الذي يجره. كأن الحزن، بدل أن يكون عائقًا أمامَ الضوء، أصبح الوسيلةَ التي تستخرجه من العتمة. ثم يأتي المقطع الخامس، وهو في رأيي مركز القصيدة كلها: «مَهْلًا... تَعالَ مَعِي...» بعد كل ما سبق، لم تعد الدعوة مجرد دعوة رُومانسية. الآنَ، نحن أمام شخصين يحمل كلٌّ منهما تاريخًا من الحريق: «هُنالِكَ قَدْ يُباغِتُنا هَوًى فِي القاعِ مُخْتَزَنٌ» ثم: «وما أَسْدَيْتَ مِنْ حُرَقٍ بِها وَجَعِي» ثم يعود: «تَعالَ مَعِي» لكن هذه المرة الطريق قد يؤدي إلى احتمالين: «جَدَلًا طَوِيلَ المَدِّ» «أَوْ حِمَمًا تَفُورُ» أي أن اللقاء ليس مضمونًا أن يكون خلاصًا. قد يكون كلامًا طويلًا، وقد يكون انفجارًا لما ظلَّ مدفونًا. وهنا تظهر العبارة الأخيرة: «تُثِيرُ فِي الأَعْماقِ بُرْكانًا دَفِينْ» البركان كان موجودًا أصلًا. اللقاء لا يصنعه؛ اللقاء يكشفه. أما المقطع الأخير فيُعيد صياغة «تعالَ معي» للمرة الأخيرة: «مَهْلًا... تَعالَ مَعِي... لِأَرْفُوَ عُمْرِيَ الباقِي...» وهنا تتغير وظيفةُ الآخر تمامًا. في البداية، كان الآخَرُ مصدرَ الطعنة، ثم صار مصدرَ الجُرح، ثم صار موضوعَ الحنين، وفي النهاية، يصبح جُزءًا من محاولة رَتْق العمر. لكن الشاعرة لا تختار صورةً ثقيلةً لهذا الترميم. بل تختار: «بِخِيطانِ المَدَى الصّافِي» «بِلَهْوِ فَراشَةٍ حَيْرَى» «بِضِحْكَةِ فُلَّةٍ خَجْلَى» ثم البدر والياسمين. وهذا يجعل نهاية القصيدة مختلفةً عن بدايتها تمامًا. بدأنا بـ طعنة، وانتهينا بـ الياسمين. لكنّ القصيدة لا تقول: إنّ الطعنة لم تحدث. بالعكس؛ كل الجمال الأخير يبدو كأنّه خرج من تجربة تلك الطعنة. لذلك أظن أن قلب القصيدة ومركزها ليس هو «الحب» وحده، وإنما الرغبة في إعادة صياغة الماضي بحيث لا يبقى الجُرح هو المعنى الأخير له. وهذا أيضًا يجعل تكرار «تعالَ معي» ذكيًّا من ناحية البناء الدلالي، فالعبارة نفسها ثابتة، لكن الشخص الذي يقولها يتغيَّر في كل مرة. في البداية امرأة تدعو الآخر إلى عالم جريح، وفي النهاية امرأة تدعوه إلى محاولة ترميم ما تبقى من العمر. أما الدخول في التقطيع العروضي، فقد اختارت الشاعرة العزف على بحر الكامل، وكان الزحاف الأكثر استخدامًا هو الإضمار الذي هو تسكين الثاني المتحرك، وهو ما منح الأسطر إيقاعًا متدفقًا ومشدودًا يُناسب الحالة النفسية للنص. وقد باعدت الشاعرةُ بتناغم بين التفعيلات المضمرة والتفعيلات السالمة، ما كسر الرتابة الإيقاعية؛ ولذا فهو هنا زحاف حسَنٌ. وله مردودٌ نفسي وفلسفي، وهو عكس الاضطراب النفسي والتردد الوجداني بين الشدة والرخاء، فالإضمار يُمثِّل الصدمة والحسم والوجع المباشر، بينما السلامة تمثِّل التراجع نحو الاسترسال العاطفي والحنين والبوح الهادئ. وأما التذييل، فكان ختام المقطوعات البيتية جميعها، عبر زيادة حرف ساكن على ما انتهى بوتد مجموع؛ ليُحدِثَ مدًّا إيقاعيًّا أو نبرةَ استراحةٍ جَرْسيّة ممتدة، ويفرض وقفة هادئة تُمهِّد للانتقال إلى ما بعدها. ولهذا مردودٌ نفسي وفلسفي، حيث يتناغم هذا الامتداد الساكن مع طبيعة القوافي المردفة بالمد؛ ليعكس حالة الأسى الممتد، والزفير العميق، وكأن النفس تُطيل الوقوف عند لحظة الختام؛ لتستوعب حجم الوجع أو الترقب، فهو إذن صدًى صوتي يجسِّد التنهيدة أو الامتداد الوجداني الذي لا ينتهي بانتهاء الكلام. وأما التدوير والوقفات، فإنما كان لإلغاء الفواصل الحادَّة بين الأسطر الشعرية، وليصنع انجرافًا موسيقيًّا متصلًا لا يتوقف إلا عند اكتمال الدفق الدلالي. ولهذا أيضًا مردودٌ نفسي وفلسفي، حيث يُعبِّر هذا الاتصال الصوتي عن تدفق الذاكرة والسيال الشعوري الذي يرفض الانقطاع. فالأفكار والأحزان في النص لا تأتي في قالب أجزاء منفصلة، بل تشتبك وتتسرب من سطر على سطر؛ لتجسد حالة التشتت، والتداخل الوجداني، واسترسال المشاعر دون حاجز زمني أو شكلي.
