
مقال 5 دقائق للقراءة
حين يتحول الحوار بين الزوجين إلى معركة كلامية. بقلم: عون البحيصي
ليست المشكلة دائما في اختلاف الزوجين، فالاختلاف جزء طبيعي من الحياة الزوجية، ولا يوجد بيت يخلو من وجهات النظر المتباينة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى معركة، ويصبح كل حديث بين الزوج وزوجته ساحة لإثبات من صاحب الكلمة الأخيرة. هناك زوجة لا تستطيع أن تمرر كلمة دون رد، ولا ملاحظة دون اعتراض، ولا حديث دون أن تفتح بابا جديدا للنقاش. يقول الزوج كلمة، فتأتي عشر كلمات. يحاول أن يشرح موقفه، فتقاطعه. يرفع صوته قليلا، فترفع صوتها أكثر. يطلب منها أن تهدأ، فتقول: «ولماذا أهدأ؟ أنت الذي بدأت». وهكذا لا يعود الزوجان يتحاوران، بل يصبح كل واحد منهما في حالة دفاع وهجوم. ليست القوة في ارتفاع الصوت بعض النساء يعتقدن أن رفع الصوت دليل على قوة الشخصية، وأن الرد على كل كلمة يعني أنهن لا يسمحْن لأحد بفرض رأيه عليهن. لكن الحقيقة أن قوة الشخصية لا تقاس بعلو الصوت، ولا بعدد الكلمات التي نرد بها، وإنما بقدرة الإنسان على اختيار متى يتحدث، وكيف يتحدث، ومتى يصمت. والمرأة الواعية ليست التي تنتصر في كل نقاش، وإنما التي تعرف أن بعض النقاشات إذا طال أمدها خسرت معها شيئا من المودة. قد تنتصرين في جولة كلامية، وتثبتين أن زوجك أخطأ، وتحصلين على آخر كلمة... لكن ماذا ربحتِ إذا خرج الزوج من الحوار أكثر غضبا، وخرجتِ أنت أكثر ألما، وبقي الجفاء بينكما طوال الليل؟ ليس كل رد ضروريا. من أكثر الأشياء التي تستنزف العلاقة الزوجية أن يشعر أحد الطرفين بأنه مطالب بالرد على كل كلمة. ليس كل كلام يحتاج إلى إجابة. وليس كل خطأ يحتاج إلى محاكمة. وليس كل اختلاف يحتاج إلى معركة. أحيانا تكون كلمة هادئة أكثر تأثيرا من عشرات الكلمات الغاضبة. وأحيانا يكون تأجيل الحديث حتى تهدأ النفوس أكثر حكمة من الاستمرار في نقاش يعرف الطرفان أنه لن يصل إلى نتيجة. لكن الزوج أيضا ليس معصوما والإنصاف يقتضي أن نقولها بوضوح: لا يصح أن نضع كل المسؤولية على المرأة. فالزوج الذي يهين زوجته، أو يقلل من شأنها، أو يتعمد استفزازها، أو يرفع صوته عليها، أو يستخدم سلطته داخل البيت لإسكاتها، لا يمكنه أن يطالبها وحدها بالهدوء والاحترام. الاحترام متبادل. والزوجة لها حق أن تعترض، وأن تناقش، وأن تقول «لا أوافق»، وأن تدافع عن كرامتها وحقوقها، لكن الفرق كبير بين الاعتراض باحترام وبين تحويل كل اختلاف إلى صراخ ومشاجرة. فليس مطلوبا من الزوجة أن تكون بلا رأي، ولا مطلوبا من الزوج أن يكون بلا رأي. المطلوب أن يكون في البيت رأيان، لا خصمان. عندما يعتاد الأبناء على الصراخ وهنا تكمن المشكلة الأكبر. فالزوجان قد يظنان أن خلافهما ينتهي بمجرد أن يغلقا باب الغرفة، لكن الأطفال يسمعون، ويراقبون، ويحفظون طريقة الكلام. الطفل الذي يرى أمه ترفع صوتها على أبيه، ويرى أباه يرد بالصراخ، يتعلم أن الاختلاف يعني الصراع، وأن صاحب الصوت الأعلى هو الأقوى. ومع مرور السنوات قد تنتقل هذه الطريقة إلى علاقاته هو أيضا. لذلك فإن الهدوء داخل البيت ليس رفاهية. إنه تربية غير مباشرة للأبناء. لا تجعلي زوجك خصما الزواج ليس مسابقة لمعرفة من ينتصر. زوجك ليس عدوا عليك هزيمته، وأنت لست خصما عليه إسكاتك. أنتم شريكان في بيت واحد، وما يؤذي أحدكما سيصل أثره في النهاية إلى الآخر. إذا أخطأ الزوج، تحدثي. وإذا أخطأت الزوجة، فلتعترف. إذا احتجتِ إلى الاعتراض، فاعترضي. لكن لا تحولي الاعتراض إلى إهانة، ولا الحوار إلى تصفية حسابات قديمة. هناك فرق بين أن تقولي: «أنا لا أتفق معك في هذا الأمر، وأريد أن أوضح لك وجهة نظري». وبين أن تقولي: «أنت دائما هكذا، ولا تفهم شيئا، ولا يمكن الحديث معك». الأولى تفتح بابا للحوار. والثانية تغلقه. وبعض الأزواج يحتاجون إلى مراجعة أنفسهم وفي المقابل، على الزوج أن يفهم أن زوجته ليست موظفة لديه حتى يأمرها فتنفذ، وليست إنسانة بلا مشاعر حتى يتحدث معها كيف يشاء. الكلمة الطيبة لا تنقص من رجولة الرجل. والاعتذار لا يهدم مكانته. والإنصات لزوجته لا يعني أنه ضعيف. بل إن الرجل الذي يستطيع أن يضبط غضبه، ويستمع، ويحتوي الموقف، ويعترف بخطئه عندما يخطئ، يمارس نضجا لا يملكه كل أحد. الصمت ليس دائما حلا لكنني لا أدعو إلى أن تصمت المرأة عن كل شيء. فالصمت المستمر قد يتحول إلى كبت، والكبت قد يتحول إلى جفاء، والجفاء قد يتحول إلى انفصال عاطفي داخل البيت. الحل ليس أن نصمت دائما. الحل أن نتعلم كيف نتحدث. نختار الوقت المناسب. نخفض الصوت. لا نقاطع. لا نستحضر أخطاء عشر سنوات في خلاف واحد. لا نستخدم أسرار البيت كسلاح. ولا نهدد بالطلاق عند كل مشكلة. ولا نجعل الأبناء شهودا أو قضاة في خلافاتنا. أجمل البيوت ليست التي لا تختلف أجمل البيوت ليست تلك التي لا يحدث فيها خلاف. بل تلك التي تعرف كيف تختلف دون أن تهدم ما بنته السنوات. قد يغضب الزوج. وقد تغضب الزوجة. قد يختلفان في الرأي. وقد ينام أحدهما منزعجا من الآخر. لكن يبقى هناك خط أحمر لا يتجاوزه أحد: الكرامة. فإذا بقي الاحترام، أمكن إصلاح كثير من الأشياء. أما إذا سقط الاحترام، فإن أبسط خلاف قد يتحول إلى جرح عميق. وفي النهاية... يا سيدتي، ليس مطلوبا منك أن توافقي زوجك على كل شيء، كما أنه ليس مطلوبا منه أن يوافقك على كل شيء. ولكن حين تختلفين معه، لا تجعلي صوتك أعلى من صوت العقل. وحين يعترض عليك، لا تجعلي كرامتك رهينة لكلمة عابرة. تذكرا دائما أنكما قد تختلفان اليوم حول أمر صغير، لكنكما ستعودان بعد ساعات إلى البيت نفسه، وإلى الأبناء أنفسهم، وإلى الحياة التي اخترتما أن تعيشاها معا. فلا تجعلوا من كل كلمة معركة، ولا من كل اختلاف خصومة، ولا من كل غضب جرحا جديدا في جدار البيت. فالبيوت لا تهدمها الخلافات وحدها... وإنما يهدمها غياب الحكمة، وسقوط الاحترام، وإصرار كل طرف على أن يكون هو المنتصر
