ملحمة القيامة الفلسطينية
ملحمة القيامة الفلسطينية
منذ البدء..
لم تكن غزة جغرافيا العابرين،
كانت هي المكان الذي اختاره الله ليزن به بشاعة العالم،
والمختبر الكوني الذي يعيد تعريف الطين والروح والحرية.
هنا.. الجرح ليس عدما،
بل هو شهادة ميلاد ثانية تكتب بالنار.
كلما سقط جدار، اتسع الأفق،
وكلما انطفأت عين، أضاءت في الروح بصيرة الأنبياء.
في فلسفة النزيف الغزي، لا يموت الشهداء ليختفوا،
بل يتحولون إلى ذرات هواء تتنفسها الرئات التي تطلب الكرامة.
إنها جدلية البقاء: كيف يسقط السقف، فيصير الطفل أقرب إلى السماء؟
تأمل هذه الجذور الممتدة في الظلمة..
إنها لا تنزل إلى الأسفل لتبحث عن الماء،
بل لتعانق عظام الأجداد الذين نبتوا في التراب قبل أن تخلق الحدود.
شجرة الزيتون في فلسطين ليست نباتا في حقل،
إنها شخص يقف معنا في طابور الصمود،
يمد أغصانه كأيد تمسح دموع الأمهات،
ويعجن زيته بالكرامة كي يضيء عتمة الملاجئ الرطبة.
إذا قطعت الشجرة من فوق الأرض، تحصنت الجذور في العمق لتصنع غابة من التحدي.
الرموز في هذه الأرض ليست زينة، بل هي هويات صامدة:
• الكوفية: ليست قماشا يرتدى، بل هي خريطة وطن وضعت فوق الأكتاف، سياج من الخطوط السوداء يحمي الهوية من المحو والنسيان.
• المفتاح: هو الإله الصغير للأمل، القطعة المعدنية التي تسخر من الفولاذ الحديث، لأنها تعلم أن الباب الخشبي العتيق في يافا أو حيفا لا يملك ذاكرة تخون أصحابها.
• حنظلة: الطفل الذي يقف شاهدا أبديا، يدير ظهره لمحافل الكذب الدولي، وينظر إلى الحقيقة وحدها؛ إلى الطين الذي يتشبث به الأطفال وهم يبنون من ركام منازلهم قلاعا لا تسقط.
تأمل ثوب التطريز الممدود كأفق لا ينتهي عبر السنين..
إنه ليس ثيابا للمناسبات، بل هو جغرافيا المرأة التي رفضت الغياب.
كل غرزة بالإبرة هي وثيقة ملكية لتلة، أو بيارة، أو ذكرى.
خيوط الحرير الحمراء ليست ألوانا عابرة،
إنها شرايين الأمهات الممدودة عبر الأجيال،
يغزلن فوق صدورهن حكاية البقاء؛
فإذا هدمت المدينة، بقي التاريخ محفوظا في كم الثوب، تقرأه الطبيعة حين تغيب المصاحف والتوارِيخ.
وفي المساجد التي عانقت الرماد في غزة.. تتجلى فلسفة أخرى للإيمان.
المسجد هناك ليس جدرانا أربعة وسقفا من الإسمنت،
بل هو الأرض كلها حين تتطهر بالدم الزكي.
حين تسقط المئذنة، لا يسقط الأذان،
بل يرتفع الصوت من بين الركام، صاعدا مباشرة إلى الله بلا وسائط.
المحاريب المهدومة تصير شواهد على أن الصلاة في فلسطين هي فعل تمرد على الفناء،
وأن السجود هو أعمق نقطة يلتقي فيها جبين الإنسان بجذور الأرض التي لا تخون.
ومن فوق ذلك الركام المرتفع، يطير الحمام..
حمام غزة ليس كأي طير يبحث عن قش لعشه في آمن الأشجار.
إنه الروح الطليقة التي رفضت أن تحبسها القذائف الصماء.
يحمل الهديل في حنجرته أدعية الراحلين بعيدا،
ويدور فوق المنازل المهدومة كأنه يحرس الأرواح التي ما زالت تحت الأنقاض تنتظر الفجر.
هذا الحمام لا يهرب من الدخان،
بل يعود دائما ليبني أعشاشه في فجاج مآذنه المجروحة، ليقول للغزاة:
مهما نشرتم من موت في المدى،
سيبقى فوق هذه الأرض جناح يخفق.. وهديل يرتل للحرية.
يا هذا العالم المستلقي على أريكة الصمت:
في غزة.. الموت لا يعني النهاية، بل هو فعل خصوبة راديكالي.
يدفنون الأجساد في الأرض، فتخرج في الصباح التالي.. سنابل وسنادين،
لأن الشعب الذي مزج دمه بترابه، صار هو التراب..
والتراب، كما تعلم، لا يموت أبدا.
33 مشاهدة