صدِّق إحساسك
صدّق إحساسك دائمًا حين يتعلّق الأمر بأشخاص نحبهم؛ فالمشاعر بوصلة خفيّة، شديدة الدقّة، تلتقط أدقّ التحوّلات التي قد تحدث بين ساعة وأخرى، بل بين نبضة وأخرى.
إنها بوصلة ربانية لا تحتاج إلى خرائط ولا إلى أدلّة؛ تسافر من مكان إلى آخر، ومن روح إلى روح، ومن قلب إلى قلب، تجسّ النبض، وتقرأ ما وراء الكلمات، وتتسلّل إلى أعماق النفس لتأتيك بما عجزت العين عن رؤيته، وما أخفاه اللسان خلف الصمت والمراوغة.
مشاعرنا سفنٌ تمخر عباب المسافات، وطائراتٌ تعبر البحار والقارات في لحظة واحدة؛ تحملها رغبة صادقة أو إحساس عابر، فتقطع في ومضةٍ ما تعجز الخطى عن قطعه في أعوام. تسافر بعيدًا لتخفّف عن الروح عناء الشك، وتزيح عنها ثقل الوساوس، وتمنحها أحيانًا ذلك اليقين الغامض الذي لا نملك له تفسيرًا، لكننا نعرفه كما نعرف نبضنا.
وفي أحيان كثيرة، تكون المشاعر لحظةَ كشفٍ لا تخطئها البصيرة؛ حقيقةً نلمحها بالقلب قبل أن تراها العين، ونشعر بها قبل أن تنطق بها الوقائع. فالعين ترى الظاهر، أما الإحساس فيلتقط ما يتوارى خلف الظاهر.
مشاعرنا، بما تحمله من حب أو نفور أو شوق أو قلق، قادرة على الغوص في مكنونات النفس، والتقاط ما تحاول الكلمات إخفاءه، وفضح ما تعجز الأقنعة عن ستره. ولهذا كثيرًا ما يعرف القلب ما لا يعرفه العقل، ويشعر بالغياب قبل أن يحدث، وبالتغيّر قبل أن يُعلَن، وبالمسافة قبل أن تتّسع الخطوات.
لكن ماذا لو اجتمع صدق المشاعر مع حدسٍ نافذ؟
حينها نحن أمام إنسان يصعب التلاعب به؛ لأن حدسه لا يعمل منفصلًا عن قلبه، وشفافيته لا تسمح للتفاصيل الصغيرة أن تمرّ من أمامه دون أن يلتقطها. قد يخطئ في تفسير ما يشعر به، نعم، لكنه نادرًا ما يخطئ في الإحساس بأن شيئًا ما قد تغيّر.
هذا النوع من البشر لا ينبغي الاستهانة به، ولا اختبار صدقه بالمراوغة، ولا التعامل مع طيبته على أنها غفلة. فهو قد يبدو بسيطًا، لكنه يرى أكثر مما يقول؛ وقد يصمت طويلًا، لا لأنه لم يفهم، بل لأنه يمنحك فرصةً لتكون صادقًا.
فإذا أصدقك إنسانٌ شفّاف، ومنحك قلبه دون أقنعة، ووهبك أثمن ما يملك: ثقته وصدقه ومشاعره، فلا تستهن به، ولا تفرّط في صدقه، ولا تحاول أن تراوغ معه.
فهو ذكيّ إلى حدّ يصعب معه خداعه، نزيهٌ إلى حدّ يجعله يصبر أكثر مما ينبغي، وكريمٌ في مشاعره إلى الحد الذي يجعله يمنح الفرص دون أن يطالب بها.
لكنه، حين يصل إلى اللحظة التي يدرك فيها أن صدقه يُستغل، وأن قلبه يُختبر بالمراوغة، وأن حضوره لم يعد مُقدَّرًا، قد ينسحب فجأةً... بلا ضجيج، بلا عتاب طويل، وبلا محاولة أخيرة.
وحينها لا تظن أن رحيله كان مفاجئًا؛ فقد يكون قد شعر بكل شيء منذ البداية، لكنه كان يمنحك الوقت الكافي لتثبت له أن إحساسه كان مخطئًا.
فأقسى ما يمكن أن تخسره ليس إنسانًا يحبك فحسب، بل إنسانًا كان يراك بقلبه، ويصدقك بصفاء، ويمنحك ثقته كاملة... ثم اضطر، بعد طول صبر، أن يصدّق إحساسه الأخير.
بقلم نجاةبنسعيدهاشمي

3 مشاهدة