《 أَنَا وَالعَالَمْ 》
《 أَنَا وَالعَالَمْ 》
أَرَى مُسْتَشْفًى لَا تَصْلُحُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ آلَامَ النَّاسِ وَأَوْجَاعَهُمْ، تَمْنَحُهُمْ أَمَلًا كَاذِبًا بِالشِّفَاء، لَكِنَّ آخِرَ مَا تُقَدِّمُهُ هُوَ العِلَاجْ. تَزْدَادُ مُعَانَاتُهُمْ فِيهَا لِقَذَارَتِهَا وَلِقَسْوَةِ أَطِبَّائِهَا؛ هُمْ رُحَمَاءُ، يَتَمَدَّدُ زِئْبَقُ الرَّحْمَةِ فِي قُلُوبِهِمْ بِمِقْدَارِ حَرَارَةِ الأَمْوَالِ الَّتِي تُوضَعُ فِي جُيُوبِهِمْ، فَتَزْدَادُ أَوْجَاعُ النَّاسِ، لِأَنَّ سِيَاسَةَ الأَطِبَّاءِ خَلْفَ كُلِّ وَجَعٍ مُضَاعَفْ.
لَا حَيَاةَ فِي المُسْتَشْفَى إِلَّا تِلْكَ الَّتِي تَدْعَمُهَا آلَاتُ الْإِنْعَاشْ؛ تَنَفُّسٌ بِقَارُورَاتِ الأُكْسُجِينِ بَدَلَ نَسِيمِ الصَّبَاح، وَغِذَاءٌ مِنْ أَمْصَالٍ دَمَوِيَّةٍ مُعَلَّقَةٍ بَدَلَ أَرْغِفَةٍ مِنَ الخُبْزِ وَطَبَقٍ مِنْ زَيْتِ الزَّيْتُونِ وَقَهْوَة، وَحَيَاةٌ تَعْبَقُ بِرَائِحَةِ المُضَادَّاتِ الحَيَوِيَّة، فَالْأَوْبِئَةُ تَطُوفُ كَأَشْبَاحِ المَوْت، بَدَلَ عُطُورِ النَّبَاتَاتْ.
أَدْرَكَ النَّاسُ إِذًا أَنَّ لِلرَّحْمَةِ مَفْهُومًا غَيْرَ مَفْهُومِ "شَيَاطِينِ الرَّحْمَة"؛ هُوَ الخُرُوجُ مِنْ هَذِهِ المُسْتَشْفَى المُرْعِبَةِ إِلَى رَاحَةِ الآخِرَة.
ابْقَ إِذًا فِي بَيْتِكَ، فِي عُزْلَتِكَ..
عَالِجْ آلَامَكَ وَجُوعَكَ بَيْنَ الجُدْرَانِ القَدِيمَة، بِالِابْتِسَامَاتِ الصَّادِقَةِ الهَزِيلَة، الَّتِي وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ مُدَاوَاةَ جِرَاحِكْ، وَسَدَّ رَمَقِكَ، إِلَّا أَنَّهَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَمْنَحَكَ الحُبَّ. نَعَمْ، ذَلِكَ كُلُّ مَا تَحْتَاجُهُ، وَهُوَ فِي بَيْتِكْ.. يَكْفِيكَ الحُبُّ وَيُغْنِيكَ، ذَلِكَ الَّذِي يَنْبَعُ مِنْ تِلْكَ القُلُوبِ الَّتِي تَرْتَجِفُ وَهِيَ تُحَاوِلُ أَنْ تُبْقِيَكَ حَيًّا، تُحَاوِلُ أَنْ تُبْقِيَكَ إِنْسَانًا.
تُغْنِيكَ أَوْجَاعُكَ وَأَنْتَ مُمَدَّدٌ عَلَى سَرِيرِ ذَاتِكَ المُحِبَّةِ، الصَّادِقَةِ، عَنْ مَظَاهِرِ النِّفَاقِ الَّتِي تَعْبَقُ بِهَا مُسْتَشْفًى اسْمُهَا العَالَمْ.
عَالَمِي إِذًا هُوَ بَيْتِي..
هُوَ عُزْلَتِي..
هُوَ ذَاتِي..
هُوَ أَنَا.
✍️ تُوفِيق بِلْغِيث

6 مشاهدة