
مقال 20 دقيقة للقراءة
هديل، حكاية من عام 2018
"رزقت هديل ثلاثة أبناء: هُدَيْل وعُذَيْل وسَجْعَة. وربتهم على مكارم الاخلاق. ربتهم على الايمان بالله والاخلاص له في القول والعمل وعلى التعاون على الخير مع الغير ، وعلى حب الوطن والبذل له و...."
هَدِيل
قلت لهما: أتعرفا غابة الرميلات حيث وجدنا الخنزير البري؟
أجابا على الفور: نعم، وأضافت سلمى: كانت هناك أثنى كبيرة مع صغيرها
عندئذ بدا في بريق عينيهما أن وقت الحكاية قد حان؛ وكانت هذه الحكاية.
قلت:
في موسم من مواسم الهجرة حل بهذه الغابة سرب من اليمام قادما إليها من الشمال؛ وكان في طريق هجرته يتخير الغابات فلم يجد أجمل منها على طول خط الهجرة؛ فقد حباها الله بألوان من الجمال وكنوز من الأسرار.
استقر السرب بهذه الغابة الجميلة واختار منها موضعا عند مجمع البحرين؛ وكان الاختيار دقيقا ينم عن خبرة توارثت عبر الأجيال في سياق حضاري طويل.
وتناسل السرب وغدا أسرابا، كل سرب له في الغابة شأن؛ وبين أفراد أحدها عاشت يمامة إسمها هديل؛ كانت من أجمل اليمام خَلْقا وأحسنها نوعا وأطولها جيدا؛ من أوصافها وزينتها بهاء الطلعة ورشاقة الحركة وعذوبة الصوت وخفة الروح وتمام الزينة؛ كانت إذا أقبلت أو أدبرت فاض منها الحسن حتى يملأ المكان، وإذا طارت يُسمع لها تصفيقا يتردد بين الأغصان، وإذا حطت بدت واثقة لا خوف يعتريها من غدر كاسر أو طمع إنسان، وإذا ترنمت كان ترنمها كترنم ناي سحري في يد فنان.
كانت تسكن مع أسرتها في بيت ورثوه عن أجدادها؛ كان البيت عتيقا مرمما فائق الجمال، إذا رأيته من الأعلى بدا لك متربعا على أغصان شجرة صنوبر عريقة شاهدة على تغير الازمان، كان قد بني من عيدان صلبة متفاوتة السمك والطول، وزينت جدرانه بريش مختلف الالوان والاشكال، وكان له فناء لا تحجبه عن الشمس إلا ظلال أغصان الشجرة وأوراقها، كما كانت له شرفة تطل على مناظر تسحر العيون وتأسر الألباب: خضرة وشمس وظلال وارفة وزرقة بحر على مد البصر وعيون وجداول ماؤها عذب زلال. ولعل موقعه زاد من رونقه؛ لقد شُيِّد على مرتفع يطل على قصر بيرديكاريس من الجهة الغربية من غابة الرميلات.
في هذا البيت ولدت هديل، كان ذلك عند بداية صيف حار بعد موسم انحبس فيه الغيث. وقد شهد سكان الغابة جميعهم مولدها ؛ ويوم عقيقتها لم يُشْهد في الغابة مثله، كان يوما سعيدا اجتمعت فيه العائلة والاقارب والجيران والمعارف وأهل الحي صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، ولم يتخلف الا مسافر أو مريض؛ كما كان يوما مشهودا سماه أبو هديل يوم البشرى حيث قام خطيبا في الحاضرين فبسمل وحمد الله وأثنى على رسول الله وصحابته والصالحين من بعدهم وشكر الحضور على حضورهم وقال:
"إنه يوم البشرى أن رزقني الله ببنت لم أرزق غيرها، وإني أعيذها بالله وذريتها من الشيطان الرجيم. وإني سميتها هديل تيمنا بجدة أبيها ولتكون من الطاهرات الشاكرات المخلصات، والله أسأل أن يحفظها ويحفظ أبناءكم جميعا."
ومن يومها عاشت هديل سنوات عمرها وسط الغابة متنقلة بين أشجارها مكتفية بثمارها شاربة من مائها، منتشية بهوائها متفيئة ظلالها ومستمتعة بنباتاتها وتربتها وصخورها وألوانها وعبقها، مشاركة لأبويها في كل تفاصيل الحياة الهنية الرضية التي عاشوها بين ربوعها. فيها تربت وتعلمت على يد والديها ومربين ومعلمين من قومها وأصبحت رمزا ومثالا في الاقبال على تعلم ما يفيد وهي لم تصل بعد سن الرشد.
كانت الحياة بالغابة مفعمة بالحب، محملة بالأمل، مبرأة من الحقد والغل ومؤمنة من الخوف حتى كان ذلك اليوم الاسود.
ذات صباح في أول شهر ماي، كان الجو مشمسا، وكان اليوم يوما ربيعيا هادئا وباعثا على الاسترخاء والاستمتاع بجمال الطبيعة؛ وكانت هديل قد انتهت من جولة صباحية وعادت لتكمل آخر كتاب تقرأه وكان من عادتها أن تخصص حصة للقراءة كل يوم؛ كما كان من عادتها أيضا أن تستعين بقلم الرصاص عند قراءتها فتعمد تارة الى وضع خط تحت سطر أو عبارة، وتدون على هامش الصفحات أفكارا أو ملاحظات تارة أخرى. وعندما أنهت حصتها من القراءة وضعت خطا تحت عنوان وعلامة استفهام إلى جانبه وسط الصفحة وأغلقت الكتاب قبل أن تعيده إلى مكانه بمكتبتها الجميلة وتتجه الى شرفة البيت.
أطلت من الشرفة وقفزت الى فرع غصن مياد لعلها تبصر ابويها عائدين من جولتهما. تركتهما بمكان خصيب غير بعيد عن مصب الجدول الذي يمر بمحاذاة الشجرة الضخمة حيث بيتهم. نظرت يمنة ويسرة ثم الى أعلى وأسفل ولم تبصر غير طيور مغردة تلاعب صغارها وهم يتدربون على الطيران وخنازير برية تتمرغ في وَحْلِ مُرْجٍ أسفل المنحدر. طارت وحلقت فوق شجرة الصنوبر حيث يوجد بيتها ثم عادت الى حيث كانت، وبدأت تغني وتراقب وتستمتع بما يجري حولها من أساليب العيش وفنون الحياة.
ولولعها بالغناء كانت تميل الى أن تطرب نفسها ومن يستمع اليها بأهازيج أو بقصائد أو بأبيات شعرية تتغنى بالطبيعة وما فيها فتغنيها لحنا جميلا رخيما. ومما خطر ببالها في ذلك الصباح وانساب مع طبقات صوتها الشجي هذه الابيات الأندلسية الرائعة:
ومما شجاني في الغصـون حمائــم === تجاوب في جنـــــح الظلام حمائما
يرجعــــــــــــــــــــن ألحانا لهن شواجيــــــــــــا === فيرسلن أسراب الدموع ســــــــــــواجما
سقى الله أيكا ما يـــــــــزال حمامــــــــــه === يهيــــج مشتــــــــاقا ويسعد هائـــــــــــــــــــما
وطبعا لم تكن هديل تخفي شغفها بشعر وأدب الأندلس؛ ربما كان ذلك بسبب أصولها التي تعود الى قرطبة حيث سكن أجدادها قبل أزيد من ستمائة عام، وربما كان بسبب تشابه موطنها الحالي بما حُكي لها عن ذلك الفردوس المفقود. كانت تحفظ العديد من القصائد وتغني أغلبها وتتأثر بمشاهدها كأنها عاشت مواقف الشعراء وشاركتهم كتابة قصائدهم.
تأثرت وهي تنشد كأنها لم تنشد تلك الابيات من قبل، وشعرت بإحساس غريب ينتابها، ولم تلبث أن تغير مزاجها، واضطرب حالها، وتوسلت بالصمت لاستعادة هدوئها.
نزلت الى أقرب جدول ماء من البيت وشربت وغمست رأسها ورجليها في الماء ثم طارت وحطت على شرفة البيت وبدأت تعود تدريجيا الى حالتها الطبيعة. لكنها ظلت تفكر فيما حدث. «هل كان ذلك يعني شيئا؟» تساءلت ولم تجد جوابا.
وفي تلك الاثناء سمعت صوتا مدويا في مكان ما غير بعيد عنها؛ كان صوت الرصاص يتلعلع في الهواء؛ كان ذلك أول مرة تسمعه في حياتها وكل ما كانت تعرفه عن صوت الرصاص هو ما حكاه لها والدها؛ كانت في ورطة حقيقية وبدت أكثر توترا من قبل، لم تتوقع غير أن أبويها في خطر؛ كان أبوها قد حكى لها عما يفعله بعض الصيادين حين يقتحمون الغابات ويطلقون النار على كل ما يتحرك فقط من أجل التسلية؛ لقد كانت تلك الحكايات بالنسبة اليها أشبه بالأساطير، لكنها اليوم حقيقة صادمة، «ما لهذا الانسان لا يتورع عن سفك الدماء لمجرد التسلية؟» «أي عقل يزين له سلب حياة غيره تسلية؟» تساءلت مستنكرة سلوك البشر ثم أطرقت تفكر غير أن القلق استبد بها وراحت تذرع الغصن الممتد أمامها جيئة وذهابا.
وطبعا حين تساءلت هديل كانت مقتنعة بأن العقل يقود الى الرشد والاعتدال شرط أن يقرن بالعلم والوحي، لكن المسكينة كانت تقيس أفعال الانسان على تصرفات بني جنسها الذين جبلوا على اتباع الصراط المستقيم. بينما الانسان حر في اختياره بين العقل والحمق وبين العلم والجهل وبين الايمان بالله واتباع خطوات الشيطان؛ فمن اختار العقل والعلم والايمان بالله سعد وسعدت به المخلوقات؛ ومن اختار الحمق والجهل والشيطان ضاع وأضاع وفسد وأفسد.
لم تستطع هديل أن تستوعب ما حدث؛ وبينما هي على حالتها من الارتباك فإذا بأمها تخترق أغصان شجرة الصنوبر كالسهم، وأقبلت عليها تحضنها بشدة وقد أصيبت بجرح غائر؛ ما أتى بها بتلك السرعة وهي مصابة إلا خوفها على ابنتها. إنها الامومة حين تنزف ولا تبالي من أجل فلذة كبدها. أخفت جرحها عن ابنتها وهي تحضنها وتقبلها وتقول: «الحمد لله إنك بخير، الحمد لله، الحمد لله، ...»
_ «الحمد لله، لقد عدت سالمة، لقد تملكني الذعر .. ولكن أين أبي؟» قالت هديل وفي نفسها شك.
_ «تركته هناك» ردت الام باقتضاب شديد وهي تغالب دموعها وتخفي وجعها.
_ «ماذا يفعل هناك؟ أيكون قد أصابه الرصاص؟» سألت هديل وهي قلقة جدا.
ترددت الام في الجواب، وأطرقت تفكر في الامر؛ كانت في ورطة كبيرة «كيف ستتحمل المسكينة خبر مقتل والدها وإصابة أمها؟ ومن المحتمل أيضا أن ألحق به وأتركها وحيدة بهذا العالم الذي لم يعد آمنا، يارب ليس لي سواها، وإذا مت فمن غيرك يتولاها؟».
أعادت هديل السؤال مرة أخرى: «لقد سألتك ماما، أيكون قد أصابه الرصاص؟»
عندها جاءها الجواب الذي لم تكن تريده ممزوجا بنحيب متواصل:
_ «قتله السفلة، وهم يختبرون قدرتهم على الرمي؛ وبقي معلقا بين سيقان النباتات المتسلقة»
انتفضت هديل وابتعدت من حضن والدتها وهي تصرخ:
_ «قتلوه. قتلوه عديمو الشرف.. قتلوه .. قتلوه...قتلوه ...»
وأجهشت بالبكاء وانزوت خلف ستار وهي تقول وتكرر: « لا بد أن أجده، لا بد أن أجده »؛ كانت في حالة اظطراب، لا تسكت الا لتبدأ بالعويل من جديد، غير أن صوتا متقطعا فيه حشرجة أتاها من خلف الستار: « لا .. لا.. لا .. لا تذهبي.. لا تذهبي.. سَـ.. سَـ.. سيقتلوك .. كما.. قَـ.. قَـ.. قتلوه». كان صوت والدتها وقد هدها النزيف ولم يعد بإمكانها أن تخفي جرحها، وبدأت تغيب عن وعيها. لم يكن الصوت كما الفته هديل من أمها؛ أحست بأن هناك خطب ما سينضاف الى مصيبة فقد والدها؛ رفعت الستار ووقعت عيناها على بركة دم قد تخثر بعضه؛ كان الجرح ينزف من تحت جسم والدتها الممدد على الارض.
أصابها الهلع:
ما هذا؟ كيف لم تخبريني؟
وكما لم يكن متوقعا أبدا تمالكت نفسها وأظهرت صلابة منقطعة النظير، وأسرعت اليها: «ماما.. ماما ماذا حدث لك؟ هل أنت بخير؟ أصابك الرصاص؟ لم أخفيت عني ذلك؟» عمدت الى صندوق معلق خلف باب الشرفة وأخرجت منه منشفة وشريحة قطن ومرهما وضمادة، وأخذت تنظف الجرح والدموع على خديها كدموع الشمع تتدحرج وتسقط على الارض.
_ «تماسكي ماما.. ستكونين بخير»
ضمدت الجرح وأوقفت النزيف، لكن الذي لم تكن تعلمه هو أن الرصاص قد أصاب أحشاءها وتسبب لها في نزيف داخلي، ولم يكن ممكنا أن تتعافى الا بعملية جراحية عاجلة ومعقدة.
نظرت الى أمها نظرة الذي لا يرجو غيرها وتنهدت وهرولت الى خزانة وأتت بمذكرة وأخذت تقلب الصفحات؛ لا أحد يعلم ما الذي تبحث عنه؛ كانت يداها ترتجفان؛ وما أن قلبت الصفحة التاسعة حتى دوت في أذنها شهقة مال معها رأس والدتها.. تنملت أطرافها وسقطت المذكرة من يدها، وارتمت عليها «ماما.. ماما.. ماما..»؛ أخذت تهزها وتتفقد أماكن النبض من جسدها، وضعت أذنها على صدرها وضغطت على معصمها ومالت بوجهها على أنفها؛ لم تسمع نفسا ولم تحس بنبض. تأكدت مرة أخرى؛ كل شيئ توقف.. لقد رحلت.. نعم رحلت؛ حينها أصيبت المسكينة بنوبة هيستيرية وصاحت بأعلى صوتها «ماما.. ماما.. ماما.. ماما»، « بابا.. بابا ..بابا » وتردد صوتها في كل الافاق، وكان ذلك اليوم يوم كرب عظيم.
كانت حينها قد صارت يافعة. كانت تدرك عظم المصيبة التي ألمت بها؛ وحزنت على والديها حزنا شديدا، ولولا أن الله لطف بها وألهمها الصبر لماتت من الحزن؛ عاشت أياما صعبة، وفي لحظات الضعف كانت تشعر بأنها لا تستطيع أن تعيش لوحدها إذ كانت وحيدة أبويها في ذلك البيت العتيق. كانت تشعر بالخوف تارة ويخيل اليها بأن صيادا يصوب بندقيته نحوها تارة أخرى؛ لكن ايمانها بالله رب الموت والحياة كان يخفف عنها ويعيد لها ثقتها بنفسها.
إن الايمان بالله قادر على أن يبعث فينا روحا تبدد كل ما يعكر حياتنا من كدر الخطوب ودرن الخطايا؛ ولولا الايمان ما كنا لنتحمل ونقاوم وطأة الهموم والاحزان وشدة الضيق والقلق؛ ولولاه أيضا لاجتاحت أنفسنا أمواج اليأس والحقد والوهن والغبن والجبن، ولأخذتنا رياح التيه لتقذف بنا في مكان سحيق لا زاد فيه ولا رفيق.
كانت هديل تتمتع بشخصية قوية زادها الايمان بالله قوة على قوة، واستطاعت بعد مدة أن تتجاوز محنتها وتستعيد عافيتها. وبدأت تتعود على الحياة بدون أبويها شيئا فشيئا.
مرت الاعوام وهديل تشق طريقها في الحياة بثبات وعزم واصرار. وازداد ارتباطها بالغابة التي نشأت فيها رغم ما أصابها من فقد الاب والام بتلك الطريقة الوحشية، إنها غابة مليئة بالأسرار التي اختلطت بدمها وطبعت وجدانها. إنها الغابة التي تخفي آثار آبائها وأجدادها الذين سكنوها منذ زمن بعيد؛ كم يحلو لها أن تحلق فوق ذلك البساط الأخضر الممتد على طول الشريط الساحلي من الرأس الاسود الى نهاية منطقة الرميلات مرورا بغابة السلوقية ومديونة ودانبو!
وكم من مرويات حفظتها هديل نقلا عن والديها عن تاريخ أجدادها الذين كانوا شهودا على أحداث تاريخية في قلب تلك الغابة، منها ما له علاقة بعائلات من الحيوانات والطيور التي انقرضت وتلك التي هاجرت و أخرى التي مرت من هناك دون أن تستقر، ومنها ما له علاقة بحركة البشر سواء الذين عشقوا الادغال والمغامرات أو أولئك الذين استباحوا حرمات سكان الغابة دون رقيب، ومنها ما هو توثيق لأحداث اجتماعية وسياسية كتلك التي شهدها قصر برديكاريس.
كانت هديل وهي تشق طريقها في الحياة تتطلع الى المستقبل وتحلم بأن تتحول تلك الغابة بكل ما فيها الى محمية طبيعية لا خوف فيها من سلاح ولا شئ فيها يستباح. حلمها هذا كان سببه الأول ما عانته جراء مقتل أبويها وكان سببه الثاني ما رأته من زحف الاسمنت على مختلف الاماكن من أطراف الغابة، وأما سببه الثالث فهو خوفها من أن تصبح غابتها في خبر كان كما حدث مع مناطق غابوية أخرى وسط وجنوب وشرق المدينة. ومع مرور الوقت أصبح حلمها قناعة راسخة، وبدأت تفكر في جعل تلك القناعة واقعا تعيشه ويعيشه معها باقي سكان الغابة.
تشاورت وقررت أن تنظم مؤتمرا من أجل تحقيق ذلك الحلم الجميل وخططت لذلك ورتبت كل شيء. وبدأت بتشكيل فريق عمل مصغر يضم حماما بريا يدعى أزطوط، وهدهدا ونقار خشب وأرنبا وسلحفاة.
قام الفريق بالإعداد للمؤتمر بدء من تحديد الموعد وتهييئ المكان والاعلانات والدعوات وانتهاء بتنظيم عملية الاستقبال وفترات الاستراحة. أما هديل فقد رأت بأنه من مسؤوليتها الاشراف على عمل الفريق وإعداد خطاب المؤتمر، ولذلك خصصت بعض الوقت لمتابعة الأعمال وبعضه لجمع المعطيات والمعلومات الضرورية من أجل اقناع السكان بأفكارها حتى يهبوا لحماية غابتهم.
وبعد أيام من الاعداد الجيد، جاء موعد المؤتمر الذي أقيم تحت شجرة تاشت وارفة الظل ممتدة الاغصان على مقربة من أطراف غابة الرميلات من الجهة الغربية، وكانت الساعة تشير الى العاشرة الا الربع صباحا؛ اجتمع الجميع حيوانات وطيور وزواحف وحشرات وأخذ كل واحد مكانه وافتتح اللقاء ونادى المسير على الآنسة هديل وصعدت المنصة تحت تصفيقات وهتافات الحاضرين وتوجهت الى المنبر ووقفت تحييهم وترد على هتافاتهم بعبارات الشكر والامتنان؛ وما هي الا بضع دقائق حتى بدأت هديل كلمتها:
«السيدات والسادة المحترمين
الحضور الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يطيب لي قبل أن ابدأ كلمتي الموجهة لمؤتمرنا هذا أن أشكركم على هذا الحضور الرائع فردا فردا. وإنني لمبتهجة وعلى يقين بأننا سنحقق ما اجتمعنا من أجله هنا في هذه الساعة. كما يلزمني أن أشكر باسمكم جميعا فريق العمل الذي لم يدخر جهدا من أجل أن يكون هذا المؤتمر كما ترون.
السيدات والسادة المحترمين،
تعلمون بأن جشع بعض البشر واستغلالهم البشع للغابات وتدميرهم لما تحتوي عليه من ثروات نباتية وحيوانية أصبح يهدد وجودنا ويهدد غابتنا التي هي موطننا وموطن آبائنا وأجدادنا. وتعلمون أيضا أساليبهم من قتل وقطع واجتثاث وحرق وهي أشبه بأساليب المحتلين الغاصبين. وأنتم تذكرون بأنني فقدت أبواي غدرا بالرصاص وتذكرون أيضا بأن حيوانات وطيور وزواحف كانت تعيش بيننا ولا أثر لوجودها اليوم وتذكرون كذلك كم من نباتات كانت في كل مكان من حولنا لا وجود لها اليوم، لم يعد بيننا سوى أقل من عشرين نوعا من الحيوانات اللبونة وأقل من ثلاثين نوعا من الزواحف وحوالي ستون نوعا من الطيور، أما النباتات والاشجار فقد تم اجتثاث أو حرق ما لا يحصى منها.
السيدات والسادة المحترمين:
لقد كانت في مدينة طنجة غابات مثل غابتنا وعاش فيها من عاش من أمم أمثالنا تماما كما نعيش نحن اليوم في غابتنا ولكنها اختفت الى الأبد، فمن منكم يذكر المجال الغابوي لبنديبان وساحة الثيران وملاباطا؟.. وطبعا هناك غابات أخرى ستختفي عما قريب؛ لقد جاءها الاسمنت من كل مكان وأصبح الخطر الحقيقي الاول الذي سيتلفها قبل أي خطر آخر، وذلك لأن الأخطار الأخرى كالحرائق واجتثاث الاشجار واقتحام الغابات ما هي إلا مقدمات لخطر زحف الإسمنت؛ و هو نفس الخطر الذي تواجهه غابتنا اليوم. لقد اقتطع منها سماسرة العقار والمستفيدين من رشاويهم مئات الهكتارات ولا زالت في تدهور مستمر، والامثلة صارخة أمامنا منها غابة كزناية وغابة الرهراه والغابة الديبلوماسية وغابة المريصات والمنار ومديونة وجزء هام من غابة الرميلات.
السيدات والسادة المحترمين
إننا نستشعر الخطر الذي يتربص بنا ولا ندري أيداهمنا غدا أم بعد أيام، ولذلك ونحن نعقد مؤتمرنا هذا في هذه الظروف الضاغطة، نأمل أن نخرج برؤية وخطة عمل واضحة تمكننا من الدفاع عن غابتنا ونرد لها الاعتبار، ومن أهم ما نطمح اليه في هذه الدورة الاولى لهذا المؤتمر هو أن نحقق حلما مشتركا بأن تصبح غابتنا محمية طبيعية يعيش فيها الجميع من غير أن يشعروا بخطر يهددهم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.»
أنهت هديل خطابها تحت تصفيقات المؤتمرين، وأعلن المسير عن حلول وقت الاستراحة وعن برنامج المساء قبل انصراف الحضور الى خارج مكان المؤتمر.
وفي المساء توزع الحضور على ثلاث ورشات عمل، ناقشت مقترح استصدار قرار تحويل الغابة الى محمية طبيعية، ومسألة النهوض بالغابة بيئيا، وسبل تطوير وتنويع طرق الحماية. وكانت آخر فقرة في البرنامج قراءة البيان الختامي؛
وجاء في البيان: نطالب بجعل المجال الغابوي المحيط بالمدينة محميات ومتنزهات طبيعية ينعم بها الناس وننعم بها نحن.
وورد فيه أيضا: " إننا نتأسف غاية الاسف لأن بعض الناس من سكان الحواضر يفضلون جدران الاسمنت على المساحات الخضراء والغابات وفيها نقاء هوائهم وجمال مظهرهم وانشراح صدورهم وبرهان تحضرهم ورفعة ذوقهم؛ وياليتهم يدركون بأن حياتهم بدونها لا نقاء فيها ولا جمال ولا انشراح ولا تحضر ولا ذوق."
واسندت هديل مهمة توزيع البيان للطيور، لكل طير قادر على حمل نسخة.
وألقيت النسخ فوق الساحات والشوارع الكبرى؛ والتجمعات والتقطها الناس وبدأ النقاش بينهم وقرر بعض الناشطين تشكيل لجنة للمطالبة بذلك.
ورتبت هديل فرقا للتقصي وتتبع تأثير بيان المؤتمر؛ وعلمت أن المسألة ستأخذ وقتا طويلا واجتماعات ونقاشا مفتوحا، لكن الأهم عندها هو الخطوة الأولى التي بدأت.
ومر عام بكامله وعلمت هديل من مصادرها أن القرار اتخذ، وصادف أن جاء قرار تحويل الغابة إلى محمية موعد المؤتمر الثاني. وكانت هي المتحدثة في جلسته الافتتاحية وأرادت أن تفاجئ المؤتمر؛ وصنعت الحدث وهي تمهد للمفاجأة إذ خطفت عيون الحاضرين وشدت انتباههم؛ وفي لحظة تركيز أدركتها بحدسها قالت بصوت عال:
"لقد تحقق حلمنا، واتخذ القرار ولا خوف هنا بعد اليوم، غابتنا صارت محمية ولله الحمد من قبل ومن بعد." وانقلبت أجواء المؤتمر الى أجواء احتفالية حيث ابتهج الجميع وفرحوا فرحة لم يفرحوا مثلها منذ زمن؛ ونالت الزعامة بإعلانها هذا، وحُمِلت على الاكتاف كما يُحْمل الابطال.
توقفت أشغال المؤتمر لكن هديل طلبت عدم المغادرة حتى يتلى البيان الختامي، وما هي إلا دقائق وتلي البيان، وفيه كل الشكر والثناء على جهود الفاعلين الذين أبلوا البلاء الحسن ليصدر هذا القرار التاريخي منوها الى استمرار النضال حتى يضل القرار محميا، وحتى لا يضيع المجال الغابوي في غفلة من الناس.
انتهى المؤتمر وسر الجميع غاية السرور، أما هديل لم تتوقف فرحتها عند ذلك اليوم بل عاشت بعد ذلك أياما وأشهرا وسنوات مليئة بالسعادة وحلاوة العيش. بعد المؤتمر بأسبوع تقدم لخطبتها شاب صحبة والديه، وهو من أسرة يمام عريقة؛ ووافقت هديل على الزواج بحضور أقارب لها. وتمنت لو أن والديها على قيد الحياة ليشاركاها فرحتها ويباركا لها زواجها.. كان زوجها شابا أنيقا، متعلما، حسن الاخلاق، طيب العشرة. وقد وجدت فيه ما افتقدته بعد موت أبويها من العطف والحنان وطيب المعاملة. أما هو فقد تعلق بها وأحبها حتى أصبح لا يرى معنى لحياته ولا أمل في مستقبله إلا بوجودها.
رزقت هديل ثلاثة أبناء: هُدَيْل وعُذَيْل وسَجْعَة. وربتهم على مكارم الاخلاق. ربتهم على الايمان بالله والاخلاص له في القول والعمل وعلى التعاون على الخير مع الغير وعلى حب الوطن والبذل له والتضحية في سبيله وعلى حب العلم وطلبه واحترام أهله، وعلمتهم أن أحسن الخلق أنفعهم للخلق وأن شر الخلق من كان كثير الاذى عديم المنفعة.
كانت أسرتها مثالا في التربية والتدبير والتعاون والتراحم؛ لم تكن هي وزوجها متفقان على كل شيئ، غير أنهما قررا منذ البداية أن يقيما أسرتهما على هدى من الله والمحبة بينهما، وعلى التكامل والتفاهم إذا اختلفا، وعلى الثقة وحسن الظن إذا بلغهما ما يسيء لأحدهما.
مرت ثمان سنوات على زواجهما ولم يحدث أن كسر أحدهما خاطر الآخر. اختارا أن يعيشا بالبيت الذي ورثته هديل عن أبيها وجدها، ولم يعرف ذلك البيت معهما غير الحب والسعادة والدفء؛ غير أن مفاجآت الحياة وتقلباتها كانت قاسية على هديل، وكأن القدر أراد أن يهيئها لأمر عظيم، أو أراد أن يكشف لها عن أسرار السعادة الحقيقية الأبدية التي لا ضنك بعدها، سعادة ثمارها الرضى والطمأنينة، سعادة يشترك فيها الغني والفقير والسليم والسقيم و الآمن والمعذب والطليق والمسجون..أو كأن القدر أراد أن يقيها شرورا خفية لا تقدر على تحمل ضررها. وتلك أقدار لا تفهم الا بالعلم والحلم وهما صفتان مميزتان في شخصية هديل.
بعد ثمان سنوات من الحياة السعيدة، حلت ببيت هديل مأساة أخرى لم تكن أقل من سابقتها. لقد اختفى زوجها في ظروف غامضة؛ كان ذلك يوم خرج ذات صباح ولم يعد؛ حاولوا البحث عنه دون جدوى؛ انتظروه أن يأتي مساء ولم يفعل، وقضوا ليلتهم قلقين عليه، لم يعودهم أن يغيب عنهم من غير أن يخبرهم بذلك.
وفي الغد تركت هديل أبناءها بالبيت وخرجت تبحث عن زوجها، ما تركت أحدا إلا سألته ولا مكانا إلا فتشته. وعادت لصغارها والوساوس تسكنها:« أيكون قد قتل بعيدا عنا ولم نسمع صوت الرصاص أم يكون قد قتل بسهم ، أم صاده أحدهم بفخ؟ أيكون قد أغمي عليه في مكان ما؟ هل تركني؟ لا .. لا يمكن أن يتركني.. يارب أسألك اللطف.. »؛
اضطربت وأصيبت بصداع في رأسها غير أنها انتبهت إلى أمر مهم؛ ماذا ستقول لأبنائها إذا سألوا عن أبيهم؟ فكرت وقررت أن تقول لهم شيئا واحدا، قررت أن تقول لهم بأن والدهم في سفر. كانت صادقة حين قررت أن تقول لهم ذلك لأنها تعودت أن يسافر ويعود لكن بعلمها.
مرت الايام ولا خبر عن زوجها؛ ومع كل سؤال لأطفالها كانت تتجرع الألم وتتصبر أمامهم وتجيبهم: « سيعود قريبا إن شاء الله»، ثم مرت الشهور ولا خبر يطمئنها؛ وتمكن منها الحزن وتدهورت صحتها، وعلمت أن اختفاءه كانت وراءه أيادي الغدر، وأنه لن يعود أبدا، وحينها فوضت أمرها إلى الله وعاهدت نفسها على الاستمرار في النضال لمعرفة الحقيقة كاملة والدفاع عن أهلها ووطنها مهما كلفها الأمر وعاهدت نفسها أيضا على الاجتهاد في ملء الفراغ الذي خلفه غياب الاب في حياة ابنائها.
وقد نجحت في الخروج من محنتها مرة أخرى واستأنفت حياتها بكل جد ونشاط، وكانت نعم الام لأبنائها ونعم المناضلة في قوتها ورباطة جأشها.
كانت هديل بإصرارها تأمل أن يتم أبناؤها دراستهم وينفعوا وطنهم وترى أحفادها ينشدون نشيد الوطن ويرفعون رايته عاليا بين رايات الأمم؛ لكن أيادي العبث بالأوطان لا يهمها صلاح البلاد والعباد، بل من طبيعتها العمل من أجل ألا يكون هناك وطن وألا يلوح في الافق أمل بوجوده. معاولها تعمل بالليل والنهار، وضرباتها أشد على الاوطان من عدو غدار، ولولاها ما سادت سلطة استعمار ولا يئس الناس من وضع مهما طال وعمر. إنها أيادي بشر ليس لهم من الوطن إلا ما نهبوا وأكلوا. إذا صدتهم سلطة القانون تحايلوا واحتموا بحاميهم، وإذا طالتهم أحكام القضاء أفلتوا من العقاب وهددوا قاضيهم، وإذا تصدى لهم المجتمع تواروا الى حين ليعودوا وقد خططوا لعودتهم.
هؤلاء ومن يحميهم هم سوسة الأوطان وخراب العمران، هؤلاء لم يعجبهم قرار تحويل الغابة الى محمية طبيعية وساءهم أن يقوم من لهم الغيرة على غابتهم بحمايتها والدفاع عنها فلجأوا الى أسلوب الحرق في جنح الليل. وأضرموا النيران في أطراف الغابة ووسطها ولم تجد هديل بدا من الهرب معية أبنائها ليعيشوا خارج الوطن؛ لقد صبرت حين قتل أبويها وصبرت حين اختفى زوجها وسندها بعد والديها، وناضلت حتى صارت رمزا وزعيمة ملهمة، غير أن النار كانت أقوى من إرادتها هذه المرة. لقد أحرقت كل شيء، بيتها وكتبها وذكريات ماضيها وما احتفظت به لزوجها وإرث أبويها وأجدادها، ولم يبق لها إلا أبناؤها، فقررت أن تطير بهم بعيدا والألم يعصر قلبها والدموع قد شقت سيولا على خدها.
لكنها أقسمت أن تعود وتستكمل مسيرة نضالها وأن تلقن أبناءها قسم العودة الى وطنهم والدفاع عنه والتضحية في سبيله، وأسرت إليهم بأن هروبهم ليس اختيارا وإنما هو اضطرار من أجل سلامتهم لا غير، وأضافت:
_ «الوطن لا يسقط بالهجرة، اختيارا كانت أم اضطرارا؛ والذين يلعنون الوطن ويهجرونه ساخطين عليه بسبب ضرر لحقهم ، ما قَدروه حق قدره ».
حكاية للناشئة فرغت من كتابتها يوم الجمعة 11 محرم الحرام 1440 الموافق لـ 21 شتنبر 2018 بمدينة طنجة المغربية
محمد بن جلول
