قلمٌ ليس بيدي .
لَمْ يَكُنْ قَلَمِي بِيَدِي، عَفْواً… بَلْ إِلْهَامِي! فَمِنْ دُونِهِ يَعْجَزُ الكَاتِبُ عَنِ النُّهُوضِ بِنَفْسِهِ إِلَى مَصَفِّـهِ الأَدَبِيِّ. وَلا عَجَبَ أَنْ تَفْتُرَ القُدْرَةُ عَلَى الكِتَابَةِ، فَالإِنْسَانُ لَيْسَ بِآلَةٍ رَاقِنَةٍ يَضْغَطُ عَلَى خَانَةِ الحَرْفِ فِيهَا فَيَطْبَعُ، أَوْ بِالأَحْرَى.. لَوْحَةَ مَفَاتِيحَ!
عُذْراً مِنْكَ أَيُّهَا الذَّكَاءُ الاِصْطِنَاعِيُّ، لَمْ أَقْصِدِ الرُّجُوعَ إِلَى الوَرَاءِ، وَلَكِنَّ لَوْحَةَ المَفَاتِيحِ بِالنِّسْبَةِ لِي سَهْلَةُ الاِسْتِعْمَالِ مُقَارَنَةً بِالآلَةِ الرَّاقِنَةِ؛ فَبَيْنَمَا تُكَلِّفُ الأُولَى ضَغْطاً خَفِيفاً، تُكَلِّفُ الثَّانِيَةُ جُهْداً يَجْعَلُ الحَرْفَ يَطْبَعُ كَمَا لَوْ أَنَّهُ مَرَّ بِمَخَاضِ الوِلاَدَةِ، يَطْبَعُ فَيُنْسَبُ لأَهْلِهِ دُونَ شَكٍّ، وَيَتْرُكُ انْطِبَاعاً بِإِنْجَازٍ حَقِيقِيٍّ فِي النَّفْسِ.
الإِلْهَامُ يُثِيرُ نَفْسِي وَيَقْتَحِمُ عَقْلِي، تَنْضَغِطُ مَعَهُ شَرَائِحُ الفِكْرِ وَالشُُّعُورِ فَتَتَوَلَّدُ شَرَارَةٌ مُنْذِرَةٌ بِتَدَفُّقِ مَوْجَاتٍ، يَتَوَازَى فِيهَا مَا أَشْعُرُ بِهِ مَعَ مَا أُفَكِّرُ فِيهِ؛ يَتَصَافَحَانِ مَجَازاً، وَيَنْطِقَانِ عَنِ النَّفْسِ الحَقَّ: انْطِبَاعاً حَقِيقِيّاً، وَفِكْرَةً أَصِيلَةً، وَرَغْبَةً لاَ تُكْبَحُ إِلاَّ بِإِفْرَاغِهَا فِي عَمُودِهَا، وَنَظْرَةً لاَ تَشْبَعُ إِلاَّ بِإِطْلاَقِهَا فِي الأُفُقِ البَعِيدِ.
وَقَدْ لاَ يَحْمِلُ عَلَى العُقْمِ الكِتَابِيِّ نَقْصُ المَوْهِبَةِ، وَضِيقُ رَحِمِ الإِبْدَاعِ وَالتَّجْرِبَةِ، أَوْ نَقْصُ التَّغْذِيَةِ بِالقِرَاءَةِ وَالاِسْتِمَاعِ؛ وَإِنَّمَا يَحْمِلُ عَلَى ذَلِكَ صَدْمَةُ جَفَافِ اليَنَابِيعِ أَمَامَ طُوفَانِ الآلَةِ المِدْرَارِ لِلْمَادَّةِ المَقْرُوءَةِ عَلَى ضَوْءِ قَمَرٍ صِنَاعِيٍّ، تَخْطَفُ البَصَرَ، وَلَوْلاَ التَّثَبُّتُ وَإِعَادَةُ النَّظَرِ لَذَهَبَتْ بِمَنْطِقِ البَشَرِ وَعُلُومِهِمْ وَآدَابِهِمْ!
كَأَنَّ العَالَمَ لَمْ يَعُدْ يَحْتَاجُ إِلَى إِضَافَاتٍ؛ مُذْ أَصْبَحَ فِي كَامِلِ قُوَاهُ اللاَّفِتَةِ بَرِيقاً، وَإِنْ كَانَ فِي حَقِيقَتِهِ يَمْضِي بِقُدْرَةِ العَقْلِ البَشَرِيِّ إِلَى الخُمُولِ الفِكْرِيِّ!
أَكْتُبُ.. وَلاَ أَدْرِي إِذَا مَا كُنْتُ مُلْهَمَةً أَوْ مُتْعَبَةً، ظُرُوفُ الكِتَابَةِ مُرْهِقَةٌ وَقَدْ لاَ يَكُونُ النَّصُّ فِي النِّهَايَةِ إِلاَّ مُجَرَّدَ فَضْفَضَةٍ... لاَ يَسْمَعُهَا أَحَدٌ!
04 أكتوبر 2026

32 مشاهدة