
مقال 3 دقائق للقراءة
أَزْمَةُ أَخْلَاقٍ
بِقَلَمِ الْكَاتِبِ الصُّحُفِيِّ / أَحْمَدَ عَزِيزِ الدِّينِ أَحْمَدَ فِي وَسَطِ مَشَاغِلِ الْحَيَاةِ وَضُغُوطِ الْعَمَلِ، هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تُغْمِضَ عَيْنَيْكَ لِدَقَائِقَ، وَتَذْهَبَ بِخَيَالِكَ إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ، لِتَرَى كَيْفَ سَيَكُونُ حَالُكَ بَعْدَ سِنِّ التَّقَاعُدِ؛ وَأَنْتَ تَقْضِي كُلَّ أَيَّامِكَ فِي إِجَازَةٍ؟ يَوْمٌ تَسْتَمْتِعُ بِقَضَائِهِ مَعَ أَحْفَادِكَ، وَأَنْتَ تُدَاعِبُهُمْ، وَيَوْمٌ آخَرُ تَقْضِيهِ مَعَ أَصْدِقَاءِ الْعُمْرِ، تَتَذَكَّرُ طُرَفَ الْمَاضِي مَعَ مَنْ تُحِبُّ. أَتَذَكَّرُ مَقُولَةً لِلْأَدِيبِ عُمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُقْبِلِ يَقُولُ فِيهَا: «إِنَّ لِكُلِّ مَرْحَلَةٍ مِنَ الْعُمْرِ جَمَالَهَا، فَالتَّقَاعُدُ مِنَ الْعَمَلِ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ انْتِقَالٌ مِنْ مَرْحَلَةٍ إِلَى أُخْرَى مِنَ الْعَطَاءِ؛ إِذْ لَا تَتَوَقَّفُ فِي حَيَاةِ الْعَبْدِ (انْتَهَى)» (1).
وَيَقُولُ الْأَدِيبُ الْكَبِيرُ أَحْمَدُ أَمِينٍ: «لَعَلَّ أَسْوَأَ مَا تُبْتَلَى بِهِ الْأُمَّةُ أَنْ يَفْقِدَ أَفْرَادُهَا الثِّقَةَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ؛ فَقِدَانُ الثِّقَةِ يَجْعَلُ الْأُمَّةَ فَرْدًا، وَالثِّقَةُ تَجْعَلُ الْفَرْدَ أُمَّةً، وَالثِّقَةُ تَجْعَلُ الْأَجْزَاءَ كُتْلَةً، وَفَقْدَانُهَا يَجْعَلُ الْكُتْلَةَ أَجْزَاءً، غَيْرَ صَالِحَةٍ لِلِالْتِئَامِ، بَلْ يَجْعَلُ أَجْزَاءَهَا مُتَعَادِيَةً تُوَجِّهُ كُلَّ قُوَّتِهَا لِلْوِقَايَةِ وَالنِّكَايَةِ» (انْتَهَى) (2).
فَعِنْدَمَا تَفْقِدُ الثِّقَةَ فِيمَنْ حَوْلَكَ، أَوْ هُمْ يَفْقِدُونَ الثِّقَةَ فِيكَ، فَهَذَا مِنْ عَظَائِمِ الْأُمُورِ. فِيمَا أَذْكُرُ مِنْ مَرَاحِلِ الْعُمْرِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَعِنْدَمَا كُنَّا صِغَارًا، كَانَتْ وَالِدَتِي ـ رَحِمَهَا اللهُ ـ تُرَبِّينَا عَلَى الثِّقَةِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِالْآخَرِينَ، فَكَانَ حَدِيثُهَا يَحْمِلُ بَيْنَ جَنَبَاتِهِ النُّصْحَ وَالْإِرْشَادَ، مُرَكِّزَةً فِي ذَلِكَ عَلَى الْحَدِيثِ عَنِ الثِّقَةِ بِالْآخَرِينَ، مَعَ الْحِرْصِ الدَّائِمِ عَلَى إِشْعَارِ الْآخَرِ بِالثِّقَةِ، وَطَمْأَنَةِ قَلْبِهِ، حَتَّى تَبْنِيَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ جِبَالًا مِنَ الثِّقَةِ، وَلِتَتَحَلَّى فِي ذَلِكَ بِالصَّبْرِ، وَالْأَنَاةِ، وَالْحِلْمِ.
وَالآنَ، فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، نَرَى وَنَسْمَعُ مَنْ يُشَكِّكُ فِي النَّاسِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ثَابِتٍ، وَلَا حُجَّةٍ تُقَامُ حَتَّى يَنْقَطِعَ الشَّكُّ بِالْيَقِينِ، اللَّهمَّ إِلَّا ظُنُونٌ وَتَوَهُّمَاتٌ قَدْ تَخَيَّلَهَا مِنْ وَاقِعِ تَجَارِبِهِ الْمَرِيرَةِ مَعَ الْآخَرِينَ، مِنْ خِلَالِ تَجَارِبِهِ الشَّخْصِيَّةِ، وَلَيْسَ حُكْمًا مَبْنِيًّا عَلَى مَنْهَجٍ عِلْمِيٍّ سَلِيمٍ، وَبِذَلِكَ يَطْرَحُ وَيَكِيلُ الِاتِّهَامَاتِ عَلَى غَيْرِ بَيِّنَةٍ أَوْ دَلِيلٍ، فَقَدِ انْعَدَمَتِ الْأَخْلَاقُ. يُعَانِي كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي زَمَنِنَا هَذَا مِنْ أَزْمَةٍ فِي الثِّقَةِ بِالْآخَرِينَ، فَمُسْتَقِلٌّ وَمُسْتَكْثِرٌ، وَهَذَا ـ فِي اعْتِقَادِي ـ تَرْجِعُ أَسْبَابُهُ إِلَى مُقَابَلَةِ كَثِيرٍ مِنَ الْإِحْسَانِ بِالْإِسَاءَةِ. وَالْمُعَامَلَةِ السَّيِّئَةِ الَّتِي قَدْ يَكُونُ تَعَرَّضَ لَهَا مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ أَقَارِبِهِ، أَوِ الْقَرِيبِينَ مِنْهُ، فَيَنْشَأُ عِنْدَ الْإِنْسَانِ صِرَاعٌ دَاخِلِيٌّ مَعَ الْأَقَارِبِ وَالْأَهْلِ، أَوْ مَعَ الْأَصْدِقَاءِ.
لَيْسَ مِنْ مُشْكِلَةٍ إِلَّا وَلَهَا حَلٌّ، وَلَيْسَ مِنْ دَاءٍ إِلَّا وَلَهُ دَوَاءٌ، وَلَكِنْ لِيَعْلَمِ الْقَارِئُ الْعَزِيزُ أَنَّ النَّاسَ فِيهِمُ الْمُسْلِمُ وَغَيْرُ الْمُسْلِمِ، وَفِيهِمُ الْعَاصِي وَالطَّائِعُ، وَفِيهِمُ الْعَاقِلُ وَالْمَجْنُونُ، وَفِيهِمُ الصَّالِحُ وَالطَّالِحُ، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ، وَمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَهَذَا هُوَ وَاقِعُ النَّاسِ، وَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يُجَادِلَ فِيهِ. حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَعْمِيمِ الْحُكْمِ بِفَسَادِ النَّاسِ وَهَلَاكِهِمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّ صَاحِبَ الْحُكْمِ الْجَائِرِ بِهَذَا هُوَ أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِنَ النَّاسِ، أَوْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَهْلَكَهُمْ، لَا أَنَّهُمْ هَالِكُونَ فِي حَقِيقَةِ الْحَالِ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ؛ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ». قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا أَدْرِي: «أَهْلَكَهُمْ» بِالنَّصْبِ، أَوْ «أَهْلَكُهُمْ» بِالرَّفْعِ. (3) أَحْمَدُ عَزِيزُ الدِّينِ أَحْمَدُ فِي: الرابع مِنْ أُكْتُوبَرَ 2026. ـــــــــــــــــــــــــ، الْمَصَادِرُ: (1) مَقَالَةٌ لِلْكَاتِبِ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُقْبِلِ. (2) «بَدِيعُ الْمَقَالِ»: لِلْكَاتِبِ وَالْمُفَكِّرِ الْكَبِيرِ / أَحْمَدَ أَمِينٍ إِبْرَاهِيمَ الطَّبَّاخِ، أَحَدِ أَعْلَامِ الْفِكْرِ الْعَرَبِيِّ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ. (3) صَحِيحُ مُسْلِمٍ، رَقْمُ: (٢٦٢٣).
