حين نطق الصمت
كان يا ما كان، في قريةٍ هادئةٍ على ضفّة نهرٍ جارٍ، شابٌّ يُدعى سليم، عرفه أهل القرية بصفاء القلب، وحسن الأدب، وصدق الطلب. كان قليل الكلام، كثير التأمل، يمضي أكثر أوقاته بين صفحات الكتب، كأنّه يبحث فيها عن جوابٍ لسؤالٍ لم يعرف كيف يصوغ حروفه.
وكان له أبٌ شيخٌ وقور، علّمه منذ صغره أن الرجال لا تُعرف بكثرة الكلام، ولا بعلوّ المقام، وإنما تُعرف بثبات المواقف، ونبل المكارم، وحسن الخواتم.
وذات مساء، جلس سليم إلى أبيه، وقد بدا على وجهه شيءٌ من الحيرة والأسى، فقال:
— يا أبي، إنّي أسعى وأجتهد، وأحلم وأنتظر، ولكنّي كلما اقتربت من غايتي ابتعدت، وكلما ظننت أنّ الباب سيفتح، وجدته موصدًا دوني.
ابتسم الشيخ، وقال بصوتٍ هادئٍ كنسيم الفجر:
— يا بني، أتعرف لماذا يتأخر الفجر؟
قال سليم:
— لا.
قال:
— لأن الليل يريد أن يقنع الناس بأن الظلام دائم، وأن الصباح بعيد، وأن الأمل سراب. ولكنّه لا يعلم أن وراء كل ليلٍ فجرًا، ووراء كل عسرٍ يسرًا، ووراء كل صبرٍ جبرًا.
سكت سليم، وبقيت كلمات أبيه تدور في قلبه دوران النور في الظلام.
ومرّت الأيام، واشتدّت عليه المحن، حتى جاءه خبرٌ ظنّ أنه سيهدم ما بناه. جلس وحيدًا تحت شجرةٍ قديمة، وأطرق رأسه، وقال:
— لعلّي أخطأت الطريق.
وفجأةً سمع صوتًا من خلفه:
— بل لعلّ الطريق هو الذي يختبر خطاك.
التفت، فإذا بشيخٍ غريبٍ لم يره من قبل.
قال سليم:
— ومن أنت؟
قال الشيخ:
— رجلٌ عرف الطريق قبلك، فسقط فيه، ثم نهض؛ ضلّ فيه، ثم اهتدى؛ بكى فيه، ثم ابتسم.
ثم اقترب منه وقال:
— يا بني، لا تحزن على بابٍ أُغلق، فلعلّ خلفه ضررًا لا تراه. ولا تأسف على طريقٍ انقطع، فلعلّ نهايته لم تكن لك. واعلم أن الله إذا منع شيئًا بحكمة، عوّض عنه برحمة؛ وإذا أخّر أمرًا، أخّره لخيرٍ لا تعلمه.
رفع سليم رأسه، وشعر لأول مرةٍ أن قلبه قد اتّسع بعد ضيق، وأن روحه قد أشرقت بعد غروب.
عاد إلى قريته، فلم يجد الشيخ الغريب، ولم يعرف أين ذهب.
وحين دخل بيت أبيه، وجد أباه ينتظره، فابتسم وقال:
— لقد فهمت الآن، أليس كذلك؟
تعجّب سليم:
— ماذا؟
قال أبوه:
— أن الإنسان قد يظنّ أن الله يؤخّره، وما هو إلا يُعدّه؛ وقد يظنّ أنه يمنعه، وما هو إلا يحميه؛ وقد يظنّ أن الطريق انتهى، وما هو إلا بدأ من حيث لا يدري.
ثم وضع يده على كتفه وقال:
— فاثبت إذا اضطربت، واصبر إذا تعسّرت، واشكر إذا تيسّرت؛ فإنّ من وثق بالله لم يَخِب، ومن صبر لم يَخسر، ومن أحسن الظنّ بربّه رأى من لطفه ما يعجز اللسان عن وصفه والبيان عن كشفه.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد سليم يخاف من تأخّر الأشياء؛ فقد تعلّم أن بعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح، وإنما تُفتح بالصبر، وأن بعض الأمنيات لا تأتي حين نريد، بل حين يكون مجيئها أجمل وأنفع وأبقى.
وهكذا أدرك أن أجمل ما في الحياة ليس أن تصل سريعًا، بل أن تصل وأنت لا تزال مؤمنًا بأن الطريق، مهما طال، سيقودك يومًا إلى المكان الذي كُتب لك أن تكون فيه.
5 مشاهدة